لم تكن مجرد شكة إبرة عابرة، ولم يكن مجرد خطأ مهني يمكن تداركه بجرعة دواء، بل كانت رصاصة غادرة أطلقتها يد الإهمال في صدر شاب لم يهنأ بعد بلقب «دكتور» الذي طالما حلم به، رحيل طالب الامتياز حسام الفقي نتيجة عدوى قاتلة أثناء تأدية واجبه، ليس مجرد حادثة فردية تُطوى ببيان نعي هزيل، بل هو ناقوس خطر يضرب جدار منظومة صحية تستهلك أبناءها قبل أن تمنحهم أبسط حقوق البقاء.
يواجه أطباء الامتياز في مستشفياتنا معضلة وجودية، فهم في نظر اللوائح طلاب متدربون حين يتعلق الأمر بالحقوق والبدلات والتأمين، لكنهم في نظر «النبطشيات» المنهكة هم العمود الفقري الذي يتحمل ضغط الاستقبال وصدمات الطوارئ وتماسّاً مباشراً مع دماء المرضى وسوائل أجسادهم.
هذه «المنطقة الرمادية» جعلت من هؤلاء الشباب حلقة أضعف في سلسلة مكافحة العدوى، فهم يواجهون أخطر الفيروسات بأدوات وقاية قد لا تتوفر، وبدلات عدوى «رمزية» تثير السخرية أكثر من التقدير، وبلا غطاء تأميني يحميهم.
إن الحديث عن إجراءات السلامة في المستشفيات الجامعية والتعليمية يجب أن يخرج من إطار المحاضرات النظرية إلى واقع التنفيذ الصارم، لا يمكن أن نقبل بوجود طبيب امتياز واحد يدخل غرفة العمليات أو الطوارئ دون:
– توفير المستلزمات الشخصية من كمامات عالية الجودة وقفازات طبية معتمدة، كحق أصيل لا يخضع لميزانية «التقشف».
– ووجود آلية واضحة ومفعلة للتعامل مع إصابات العمل تضمن صرف الأدوية الوقائية في الساعة الأولى من الإصابة، دون تعقيدات بيروقراطية قاتلة.
– وضع منظومة رقمية تضمن حصول كل طالب على كافة اللقاحات اللازمة قبل أن يدخل قسم الجراحة.
دماء هذا الشاب يجب أن تكون المحرك لتشريع أو تفعيل صندوق مخاطر المهن الطبية ليشمل طلاب الامتياز بشكل كامل وغير مشروط. نحن بحاجة إلى بوليصة تأمين إجبارية تضمن علاجاً طبياً على أعلى مستوى للطبيب المصاب.
يا ساده الاستثمار في بناء المستشفيات وتحديث الأجهزة شيء مهمة ولكنه يصبح لا قيمة له إذا كنا نفقد الإنسان الذي يشغل هذه الأجهزة. إن موت طبيب شاب بسبب «عدوى» هو دليل عجز في إدارة الموارد البشرية، وإهانة لمهنة الطب.
يا سادة، أطباء الامتياز ليسوا قطع غيار مستهلكة في ماكينة النظام الصحي، بل هم أمانة في أعناقكم، فإما أن نوفر لهم الدرع الذي يحميهم، أو نتوقف عن مطالبتهم بوقوفهم في خط النار.
الرحمة لشهيد العلم والواجب.. واليقظة لمن بيده الأمر قبل أن نفقد زهرة أخرى.
اقرأ أيضاً“ديكارت” يبلغ (430) عامًا
