صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم
مع استمرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لشهرها الثاني، ومع هذا التصعيد الكبير الذي تشهده تلك الحرب، بل ومع تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والتي يلوح خلالها باقتراب نهاية الحرب تارة، وتارة أخرى يهدد إيران بإرجاعها للعصر الحجري، فإن تلك الحرب المدمرة لم تحقق أهدافها المرجوة لكلٍ من أمريكا وإسرائيل، ولم تؤد رغم التدمير الكبير لتدمير الأماكن والمنشآت العسكرية والنووية، ولكن نجحت في اغتيال العديد من الشخصيات الهامة، وتدمير الكثير من البنى التحتية في إيران، وعلى الرغم من تلك الخسائر، لا تزال إيران صامدة ومتماسكة بشعبها ونظامها دون أن تخضع للتهديدات الأمريكية، أو تتعجل في إجراء المفاوضات، وذلك بعد أن استخدمت مضيق هرمز كأحد أسلحتها الهامة لتهديد احتياجات العالم من الغاز والنفط، والتسبب في أزمة اقتصادية عالمية كبرى، ونجاحها حتى الآن في استخدام منظومة دفاعها الصاروخية الباليستية، ونشاط أذرعها في اليمن ولبنان، وذلك لإلحاق أكبر الأذى بإسرائيل، فبعد تلك الفترة الزمنية من إشعال تلك الحرب، والتي فجرها رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لصالحه، وتسخيره الرئيس الأمريكي ترامب لتحقيق أهداف إسرائيل في المنطقة، يرى الخبراء والمحللون بأن تلك الحرب كشفت عن تداعيات وأزمات أمنية واقتصادية كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، ومن أهم تلك التداعيات هو أن تلك الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران غير شرعية، لأنها لم تحظ بموافقة المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية، برغم عدم واقعية النظام الإيراني المتدخل في شئون دول المنطقة، ومحاولاته المتكررة لإنتاج الأسلحة النووية، والتسبب في عزلة إيران عن دول العالم، إضافة إلي دخولها حروبا مدمرة كان من الممكن تلاشيها بالدبلوماسية الناجزة. وعلى المستوى الغربي، يرى الخبراء والمحللون أن الحلفاء الأوروبيين لأمريكا قد وجدوا أنفسهم على الهامش، بعيدين كل البعد عن صناعة قرار تلك الحرب، دون أن يأخذ الرئيس ترامب الحفاظ على أمنهم الاقتصادي والقومي في الحسبان، مع دخولهم في خلافات كبيرة ولربما قطيعة بين ضفتي الأطلنطي، لعدم دخولهم الحرب مع أمريكا، وتهديد الرئيس الأمريكي بالانسحاب من حلف الناتو، والانسحاب من مهمة تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي أدى في النهاية إلى توقف إمدادات النفط والغاز من الخليج وغيره، الأمر الذي أدى إلي نشوب أزمة اقتصادية ومعيشية كبرى في أوروبا ومختلف دول العالم، والضغط على ميزانيات تلك الدول، والتسبب في الركود وعجز الموازنة في الوقت الذي تتوقف فيه إمدادات الغاز من روسيا، وذلك لموقف الغرب الرافض لحربها الأخيرة على أوكرانيا، ليجد الأوروبيون أنفسهم بدون أمن وحماية، أو حتى تأمين حاجة شعوبهم للطاقة، والتسبب في أزمة اقتصادية ومعيشية كبرى، ما دفع دول أوروبا، وعلى رأسها بريطانيا إلى الاجتماع مؤخراً لمناقشة أي حلول لتلك الأزمات الكبرى التي يواجهونها الآن.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج قد وجدت نفسها عرضة للهجمات الإيرانية على بلادها، هجمات طالت الكثير من الأماكن المدنية الاستراتيجية بما فيها منشآت الطاقة، إضافة إلى الكثير من الأماكن والبنى التحتية الهامة، واستهداف سفن النفط بالخليج، وتعريض أمن المواطنين في بلدان الخليج للخطر، مع استهداف إيران للعديد من المواقع الهامة بدول الخليج بحجة مهاجمة القواعد العسكرية الأمريكية، لتجد دول الخليج نفسها في مرمى إيران بالرغم من امتلاكها أسلحة متطورة، وعلى الرغم من شراكاتها العسكرية والأمنية ووجود القواعد الأمريكية بها، دون حماية أمريكية فاعلة، ورغم تلقي دول الخليج للضربات الإيرانية، فإنها ما تزال تتمسك برباطة الجأش لعدم التورط مع إيران والدخول في قطيعة معها، فرغم وجود بعض التصريحات والانتقادات من بعض الدول الخليجية، إلا أنه وحتى الآن لا يوجد موقف خليجي موحد تجاه ما يحدث، أو باتخاذ قرارات مصيرية لإنهاء وجود القواعد الأمريكية، وخصوصاً بعد إثبات أن أمريكا لا تخدم بمنظوماتها العسكرية المتقدمة إلا مصالحها ومصالح إسرائيل، ولتثبت تلك الحرب أن أمن دول الخليج لا يمكن أن يتوافر وهو في أيدي الغرباء، ما يستوجب اتخاذ قرار عربي حاسم بإنشاء جيش ودفاع عربي مشترك، والتعاون والاتحاد مع كل البلدان العربية من أجل الوقوف في وجه القوى الإقليمية الصاعدة بالمنطقة، فبدون مقاربة استراتيجية موحدة بين الدول العربية، ستبقى دول الخليج عرضة للكثير من الأطماع والمخاطر.
