حين تغيب الثقافة – الأسبوع

حين تغيب الثقافة – الأسبوع

لم يعُدِ الحديث عن الثقافة والفنون ترفًا فكريًّا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل أصبح ضرورةً وجوديةً ترتبط بشكل مباشر بأمن المجتمعات واستقرارها.

وبينما كنت أفكر في كتابة مقال عن أهمية إطلاق مشروع قومي للقراءة في ظل تنامي سيطرة الغزو الثقافي الأجنبي على أشكال كثيرة من حياتنا اليومية، خاصة الهوية الثقافية، قفز إلى ذهني سؤال أكثر إلحاحًا: هل نسينا ما حدث في مصر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؟

تلك الفترة لم تكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخنا، بل كانت اختبارًا حقيقيًّا لقوة المجتمع في مواجهة الفكر المتطرف، استطاعتِ الجماعات المتشددة آنذاك أن تتسلل إلى عقول فئات من الشباب، خاصة في مناطق الصعيد، مستغلةً غياب الوعي الثقافي وضعف الوصول إلى مصادر المعرفة المستنيرة. لم يكنِ التطرف حينها مجرد أفكار هامشية، بل تحول إلى ظاهرة كلَّفتِ الدولة والمجتمع أثمانًا باهظة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإنساني.

لقد دفعت مصر ملايين الجنيهات في معركتها ضد الإرهاب، لكن الحقيقة التي يجب التوقف أمامها بجدية هي أن جزءًا كبيرًا من تلك التكلفة كان يمكن تجنبه لو تم الاستثمار مبكرًا في بناء الإنسان ثقافيًّا وفكريًّا. فالمواجهة الأمنية، رغم أهميتها، تظل حلاًّ مؤقتًا إن لم تُدعَّم بمواجهة فكرية وثقافية عميقة.

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجيًّا. لم يكن هذا التغيير وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود متراكمة قامت بها مؤسسات الدولة، إلى جانب دور فعال لمؤسسات المجتمع المدني. انتشرتِ الأنشطة الثقافية والفنية في مناطق لم تكن تعرف من قبل سوى العزلة، ووصلتِ الفنون إلى قرى ونجوع كانت تفتقر حتى إلى أبسط وسائل المعرفة.

هذه الجهود ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وفتحت أمام الشباب آفاقًا جديدة للتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن مسارات التطرف والانغلاق. لم تعُدِ الثقافة حكرًا على النخبة أو المدن الكبرى، بل أصبحت أداةَ تنمية حقيقية تمتد إلى كل شبر من أرض مصر. وهنا تحديدًا يكمن جوهر القضية: الثقافة ليست نشاطًا جانبيًّا، بل هي خط الدفاع الأول ضد التطرف.

لكن ما يثير القلق اليوم هو عودة بعض القرارات التي تقلل من أهمية الثقافة والفنون، وتعامُل بعض المسؤولين معها باعتبارها رفاهيةً يمكن الاستغناء عنها، فيتم تقليص الفعاليات الثقافية والفنية أو إلغاؤها، رغم أنها تمثل منصات حقيقية لاكتشاف المواهب وبناء الوعي. وهذا التراجع، إنِ استمر، قد يفتح الباب مرة أخرى أمام الأفكار المتطرفة لتجد طريقها إلى عقول الشباب.

إن إهمال الثقافة لا يعني فقط فقدان جانب جمالي من الحياة، بل يعني ترك فراغ فكري خطير يمكن أن تملأه تيارات متشددة. فالشباب الذي لا يجد مسرحًا يعبِّر من خلاله، أو كتابًا يفتح له آفاق التفكير، أو نشاطًا فنيًّا يكتشف فيه ذاته، يصبح أكثر عرضة للانجذاب نحو خطاب أحادي مغلق.

من هنا تتأكد الحاجة الملحّة إلى استعادة الدور الحقيقي للثقافة، وإعادة الاعتبار للفعاليات التي تم إلغاؤها، وفي مقدمتها الأنشطة الجامعية التي كانت تمثل أحد أهم روافد التنوير، وعلى رأسها المهرجانات المسرحية وغيرها من أشكال الإبداع الفني، والتي أُلغيت خلال الفترة الأخيرة. فقد كانت هذه المساحات بمثابة متنفس حقيقي للشباب، ونافذة للتعبير الحر، ووسيلة فعّالة لبناء الوعي والانتماء.

وفي السياق ذاته، تبرز حاليًّا ضرورة إطلاق مشروع قومي شامل للقراءة، لا بوصفه مبادرة شكلية عابرة، بل كاستراتيجية متكاملة تستهدف تأسيس وعي مستدام، على غرار التجارب الناجحة التي أسهمت في تشكيل أجيال كاملة من القراء، ورسّخت قيمة المعرفة بوصفها حقًّا أصيلاً للجميع.. مشروع كهذا يجب أن يقوم على التكامل بين تطوير المؤسسات الثقافية، ودعم الفنون بمختلف أشكالها، وإتاحة مصادر المعرفة بعدالة في جميع أنحاء الجمهورية، دون تمييز جغرافي أو اجتماعي.

فالمواجهة الحقيقية لم تعُد تقتصر على التصدي للإرهاب المسلح، بل تمتد إلى التصدي لجذوره العميقة المتمثلة في الجهل والتطرف الفكري. ومن هنا، فإن الاستثمار في الثقافة ليس رفاهية، بل هو استثمار مباشر في الأمن القومي، إذ إن كل جنيه يُنفَق في بناء وعي الإنسان يوفّر أضعافه مما قد يُنفق لاحقًا لمواجهة تداعيات الانغلاق والتشدد.

ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة هو إدراك بعض المؤسسات التنموية لأهمية البعد الثقافي مبكرًا، حيث تبنّت رؤًى واضحةً تقوم على تنمية الإنسان باعتباره جوهرَ أي تقدم حقيقي، وسعت إلى تنفيذ مبادرات أسهمت في تحقيق أثر ملموس على مستوى الوعي المجتمعي. فالتنمية الثقافية الجادة لا تقتصر على تقديم فعاليات، بل تسهم في إعادة تشكيل الوعي، وبناء إنسان قادر على التفكير النقدي والانفتاح.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للثقافة والفنون لم تعُد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورةً حتميةً للحفاظ على ما تحقق من استقرار، ولضمان بناء مستقبل أكثر وعيًا واتزانًا، قادر على مواجهة التحديات وصون الهوية.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: المجتمعات لا تُهزم من الخارج بقدر ما تنهار من الداخل حين يغيب وعيها، والثقافة هي الحصن الحقيقي الذي يحمي هذا الوعي.

اقرأ أيضًااليوم.. ندوة خاصة لأبطال فيلم «سنو وايت» في الكاثوليكي للسينما

هندسة الإسكندرية تنظم ندوة لتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة وثقافة إدارة الميزانية

«سيناء.. رؤية دولة وبطولات شعب».. محاضرات توعوية بثقافة الإسماعيلية احتفالاً بذكرى التحرير

Exit mobile version