منذ فبراير 2022 وحتى الثالث من أبريل الجاري، مرّت أكثر من أربع سنوات على القمة الروسية الفرنسية التي شغلت العالم كله، حينها جرى لقاء الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون داخل قصر الكرملين بالعاصمة موسكو. الأكثر إثارة في تلك الزيارة، التي حاول خلالها ماكرون تقريب وجهات النظر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا حول الأزمة الأوكرانية، كانت مائدة الاجتماعات الرئاسية التي جلسا على طرفيها متباعدين، بصورة مثيرة للجدل.
زيارة ماكرون لموسكو، كانت محاولة حمائمية لوقف العمليات العسكرية الحدودية بين روسيا وأوكرانيا في الفترة الأولى للحرب. تحديدًا بعد أقل من ثلاثة أسابيع على بدء المعارك، إلا أن الصور والفيديوهات الرسمية الموثقة للقمة أظهرت الزعيمين يتحدثان عبر مسافة كبيرة، تكشف بطريق غير مباشر الهوة السياسية والأمنية بين خصمي الحرب: أوروبا وروسيا، فيما تشعل الولايات المتحدة الأزمة عن بُعد، حتى تحافظ على مصالحها الاستراتيجية على حساب الطرفين.
قبل بدء الحرب، تمسكت موسكو بأن تظل أوكرانيا منطقة محايدة، وألا تتورط في جلب قوات الناتو وأجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى تخوم روسيا، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سعى لتوسيع دائرة الدعم السياسي والعسكري لحكومته، معتبرًا أن بناء شبكة علاقات قوية مع حلف شمال الأطلسي «الناتو» وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي تربط أسرته علاقات تجارية مع «كييف»، سيعزز موقف أوكرانيا الإقليمي.
وعليه، كانت طريقة جلوس الزعيمين بوتين وماكرون على طرفي المائدة العتيقة خلال زيارة تقريب المواقف بالغة الدلالة. أوحت لمن تابعها بالتباعد الكبير في وجهات النظر بين موسكو من ناحية، وبروكسل من ناحية أخرى، حيث مقر الاتحاد الأوروبي وإدارته السياسية والأمنية. ومنذ ذلك اللقاء، الذي استمر أكثر من خمس ساعات، أصبحت المائدة البيضاء الطويلة في قصر الكرملين أيقونة في الأدبيات الدبلوماسية الحديثة، لكونها تترجم مواقف سياسية.
حينها، الفاصل الذي تراوح بين أربعة وستة أمتار تقريبًا، أثار اهتمامًا إعلاميًا ودبلوماسيًا واسعًا. تحول المشهد إلى رمز لتشدد موقف بوتين في مواجهة الغرب. دلائله الرمزية كانت تصب في اتجاه استبعاد الخيار الدبلوماسي واستكمال الحرب حتى نهايتها، في ظل عمق الخلافات وتعمد «زيلينسكي» مواصلة السير في الاتجاه المخالف، وبالتالي كانت طريقة الجلوس على المائدة مؤشرًا مبكرًا على الإخفاق في التفاوض، قبل أن تكون رمزًا بصريًا لطبيعة العلاقات المتوترة بين أطراف النزاع.
***
المائدة البيضاء نفسها بقصر الكرملين، التي كانت في وقت سابق رمزًا للفصل والمسافة بين بوتين وزعماء غربيين، ليس فقط الرئيس الفرنسي، بل تكرر الموقف مع المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، عبرت مطلع أبريل الجاري عن عمق التقارب السياسي بين روسيا ومصر. ظهر هذا بوضوح في لقاء وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، د.بدر عبد العاطي، مع الرئيس بوتين وأركان حكمه، وهو يسلمه رسالة خطية من الرئيس عبد الفتاح السيسي تتضمن تعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فضلًا عن المناقشات المطولة حول تنسيق المواقف بخصوص ملفات وقضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.
لفت نظري خلال الزيارة جلوس د.بدر عبد العاطي وجهًا لوجه مع بوتين ومساعديه، بعرض المائدة نفسها وليس بطولها، ما يظهر حجم التقارب الواضح في المواقف وطبيعة التعاطي المباشر مع الرسائل الرسمية. طريقة استخدام المائدة بروتوكوليا تكشف قدرة الدبلوماسية على تحويل رموز بسيطة إلى أدوات لتعزيز الثقة والحوار، وتعكس تطورًا ملموسًا في استراتيجيات التعامل مع موسكو على المستوى الرسمي، بحيث يصبح الشكل جزءًا من الرسالة السياسية نفسها.
قرب مسافة الجلوس، وقبلها حرارة الترحيب الواضح، عبرت عن رسائل التقدير والتقارب. الرئيس فلاديمير بوتين لم يكتفِ بالمجاملات الدبلوماسية، بل حرص على أن يحمّل وزير الخارجية المصري رسالة واضحة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، تنبه بطريق مباشر إلى إدراك روسي لثقل الدور المصري، ليس فقط في إدارة العلاقات الثنائية، بل أيضًا في التعامل مع واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية توترًا. كما أن الإشادة الروسية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت استنادًا إلى متابعة دقيقة لدور القاهرة في تهدئة مسارات قابلة للاشتعال في أي وقت، ومنع انزلاقها إلى نطاق أوسع من النزاعات الإقليمية.
من واقع هذا التقارب، أبدى د.بدر عبد العاطي رؤية مصر الاستراتيجية الناضجة حول التوتر الإقليمي الذي يهدد استقرار الشرق الأوسط. زيارة موسكو وما سبقها من جولات مكوكية للوزير المصري خليجيًا وعربيًا حملت المضمون نفسه، وأكدت موقف مصر كلاعب فاعل ورقم مهم يعزز الأمن والسلم الإقليميين. تحركات قائمة على استقلالية القرار والسيادة الوطنية في تعزيز الشراكات والمصالح القومية، دون انحياز لأي محاور تضر بالتوازن. في رأيي، هذا النهج يحول الضغوط الإقليمية إلى فرص حقيقية تظهر طبيعة تفكير المؤسسات الوطنية، وكيف تترجمها الدبلوماسية المصرية، على النحو الذي أظهرته مباحثات الجلسين حول المائدة الرئاسية بقصر الكرملين.
***
تم تصنيع المائدة كتحفة خشبية في ورشة عائلية إيطالية صغيرة «أوك فيرنيتشر»، بمدينة كانتو، التابعة لمنطقة كومو شمال إيطاليا. خلال الفترة بين 1995 و1996 تقريبًا، تحولت من خشب خام إلى شكلها الحالي، مع الحرص على أن تجمع بين الدقة الحرفية والتصميم الراقي. تشتهر المنطقة الإيطالية بدقتها في صناعة الأثاث الفاخر، وبعد أن أسس الورشة الجيل من الحرفيين، مزجوا بين التقاليد الإيطالية العريقة في النجارة والتصاميم المعاصرة.
تستخدم «أوك فيرنيتشر» خشب البلوط عالي الجودة، المعروف بصلابته ومتانته وجماله الطبيعي، ما يجعل الأثاث يتحمل الاستخدام اليومي المكثف ويحتفظ بمظهره لسنوات طويلة. كما تعتمد الورشة أيضًا على خشب الزان، الأخف والمرن، الذي يتيح سهولة التشكيل والنحت مع سطح أملس وموحد، ما يجعله مناسبًا للأثاث العصري أو للتشطيبات المطلية بالدهانات. يبرز البلوط بعروقه الطبيعية الغنية بعدًا بصريًا فخمًا، بينما يوفر الزان مرونة أكبر في التصميم، لتصبح كل قطعة فريدة وتضفي لمسة من الأصالة والفخامة على المنزل أو المكتب.
تركز الورشة على الإنتاج المحدود لضمان التفرد والجودة، مع العناية بأدق التفاصيل بدءًا من القطع وحتى التشطيب النهائي. هذا الأسلوب يجذب زبائن محليين ودوليين، كما يظهر في مشاريعها التاريخية مثل مائدة الاجتماعات الرئاسية الروسية، التي سُلِّمت إلى قصر الكرملين ضمن عملية تجديد واسعة للقصور الرئاسية خلال فترة رئاسة الراحل بوريس يلتسين، لتعكس الفخامة التاريخية لما قبل الثورة البلشفية وتطلعات الدولة الروسية الرمزية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
تولى يلتسين السلطة فعليًا عقب استقالة ميخائيل جورباتشوف في 25 ديسمبر 1991. لم يتسلم منصبًا مماثلًا لرئاسة الاتحاد السوفيتي، لأن هذا المنصب أُلغي مع تفكك الاتحاد، كما جرى حل الحزب الشيوعي الحاكم. لكن يلتسين، بصفته رئيس روسيا، أكبر جمهوريات الاتحاد السابق، أصبح بحكم الواقع القائد الفعلي للدولة الجديدة «روسيا الاتحادية». وبمرور الوقت، أصبحت المائدة أحد العناصر التي تُخضع للتحليل عند تقييم أسلوب تعاطي الرئيس بوتين الدبلوماسي مع ضيوفه. لم تعد مجرد قطعة أثاث، بل أداة قياس بروتوكولي مع الحلفاء والخصوم، تعكس مستوى السيطرة والحذر، أو على النقيض، تعبر عن الترحيب والتقارب في العلاقات.
من الناحية المادية، المائدة قطعة بيضاوية ضخمة مطلية باللون الأبيض اللامع، مزينة بأوراق ذهبية على الجوانب، وتستند على ثلاث قواعد خشبية مجوفة وقوية. صُممت لتكون فريدة من نوعها، حيث صُنع سطحها من قطعة خشبية واحدة كبيرة، ما يضفي عليها صفة التميز ويجعلها محط الأنظار في كل لقاء رسمي. سياسيًا، تنطلق من على أطرافها الرسائل الاستراتيجية، كما قوة الأسلحة الروسية في الحروب، والاختيار يكون انتقائيًا: مسافة كبيرة مع الغرب، يتقارب مع الحلفاء، من الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المسؤولين المصريين، عبر تفضيلات جيوسياسية واضحة لا تخطئها عين.
***
قبل لقاء بوتين، تعددت مباحثات ورسائل زيارة د.بدر عبد العاطي. يتبدى ذلك في لقائه سكرتير مجلس الأمن الروسي، سيرجي شويغو، الذي يكشف عن بعد أمني عميق يتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى رؤية مشتركة للاستقرار الإقليمي. تتفق مصر وروسيا على أن التصعيد الحالي في الشرق الأوسط يهدد الممرات البحرية والطاقة، ويشكل خطرًا مباشرًا على مصالح البلدين، وأطراف إقليمية ودولية أخرى. في تصوري، هذا التنسيق يعني أن القاهرة ترفض أن تكون متفرجًا سلبيًا على الأزمات، بل تبادر بتفعيل شراكتها مع موسكو لتصبح صوتًا دبلوماسيًا مؤثرًا يدفع نحو خفض التوتر.
يُعرب «شويغو» عن قناعته بأن مصر شريك موثوق، وهو اعتراف يعزز قدرة القاهرة على حماية أمنها القومي دون الاعتماد على جهة واحدة، لتصبح النتيجة درعًا استراتيجيًا يحمي مصر من مخاطر الإقليم ويفتح الباب لتعاون أمني مستدام يخدم السلام الحقيقي. على الناحية الأخرى، يمثل اجتماع د.بدر عبد العاطي مع رئيس مجلس الدوما، فياتشيسلاف فولودين، طابعًا مؤسسيًا دائمًا للعلاقات، بعيدًا عن تقلبات السياسة اليومية.
يشكل مجلس الدوما في البرلمان الروسي الركيزة الأساسية للعمل التشريعي في البلاد.أعضاؤه المنتخبون يتولون مسؤولية اقتراح القوانين ومناقشتها والموافقة عليها، بالإضافة إلى مراقبة عمل الحكومة ومراجعة ميزانية الدولة. بعد إقرار القوانين في المجلس، تُحال إلى مجلس الاتحاد، الغرفة العليا في البرلمان، لمراجعتها والموافقة عليها أو تعديلها، ما يجعل الدوما نقطة الانطلاق الرئيسة للعمل التشريعي داخل النظام الروسي.
لقاء د.بدر عبد العاطي يؤكد أن الشراكة بين الرئيسين السيسي وبوتين أكبر من اتفاقات حكومية، بل أصبحت بنية تشريعية عميقة تحمي المصالح الاستراتيجية للبلدين. برأيي، هذه الخطوة ذكية للغاية لأنها تحول التعاون إلى علاقة مؤسسية لا تتأثر بتغيير الإدارات، ما يكسب مصر استمرارية المشروعات الكبرى في المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية. يمثل الدعم التشريعي ضمانة حقيقية لنجاح الشراكة الاستراتيجية متعددة البرامج والمبادرات التنموية.
لا يمكن تجاهل مباحثات د.بدر عبد العاطي مع نائب رئيس الحكومة الروسي، أليكسي أوفيرتشوك. في الشراكة بين البلدين، يمثل أوفيرتشوك الجانب التنفيذي والاقتصادي للحكومة الروسية، إذ يشرف على الملفات الاقتصادية، متابعة وتنفيذ الاتفاقيات الثنائية، وتنسيق المشاريع المشتركة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية. لقاؤه يؤكد أن أي تعاون أو شراكة ليست سياسية فقط، بل ترتكز على آليات تنفيذ واضحة ومباشرة للاتفاقيات الاقتصادية، ويشرف على تنفيذها على مستوى الوزارات والشركات الحكومية الروسية بما يضمن الالتزام بالجداول الزمنية والاستثمارات المتفق عليها.
لم تقتصر المباحثات على أوفيرتشوك، بل تظهر أهميتها من خلال لقاء مجموعة من أهم قيادات الشركات الروسية. تتجسد العلاقات الثنائية في شبكة متماسكة من المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية، تعكس عمق التفاهم بين القاهرة وموسكو. في قلب العلاقة الروسية المصرية، تتجلى مشروعات استراتيجية تتجاوز الكلام التقليدي إلى أفعال ملموسة، أبرزها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، ومشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الذي يعد نقطة ارتكاز مهمة في مسار التعاون، حيث ترغب شركات روسية عدة في المشاركة الفاعلة. استمرار التعاون الوثيق بين البلدين في المجال التجاري والأمن الغذائي، مثل القمح والزيوت، جدد الحديث عن تحويل مصر إلى مركز لوجستي متكامل للحبوب والطاقة.
مصر لا تبني تحالفًا مع روسيا ضد أحد، بل تعزز استقلالها الاستراتيجي من خلال تنويع الشراكات. نموذج المستقبل يمكن ترجمته إلى دولة تُدير أزمات الإقليم بذكاء وتحوّلها إلى رافعة تنموية عبر عملية استراتيجية مبنية على المصالح المشتركة الحقيقية. على المحور الدبلوماسي، كانت نتائج اجتماع إسلام آباد حاضرة، حيث جددت مصر طرح موقفها الثابت حول حل القضية الفلسطينية على أساس حدود 4 يونيو 1967، ليس استعادة لمواقف تقليدية فقط، بل آلية متواصلة لإبقاء المسار السياسي حيًا في ظل منطق القوة المسيطر.
على المائدة الرئاسية الروسية، كانت ملفات السودان وليبيا والقرن الإفريقي وقضية المياه حاضرة بشكل واضح، بما يعكس اهتمام القيادة المصرية بالأمن الإقليمي كشبكة مترابطة. تؤكد القاهرة أن التعامل مع هذه الملفات لا يمكن أن يكون جزئيًا أو مؤقتًا، بل يحتاج إلى رؤية شاملة واستراتيجية تستوعب جميع الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية. توجه يظهر إصرار مصر على حماية مصالحها الوطنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي عبر حلول متكاملة ترتبط ببعضها البعض.
***
في الدول الشرقية، لاسيما روسيا، تمثل البروتوكولات الرئاسية إطارًا دقيقًا لتنظيم المشهد السياسي وإدارة العلاقات الرسمية. فهي تتجاوز ترتيب الجلوس أو جدول المواعيد لتشمل تفاصيل رمزية دقيقة، من ألوان الطاولات إلى مواقع المقاعد والأدوات المستخدمة في اللقاءات. الرمزية تُفسّر تسلسل السلطة ونفوذ الأطراف، وتتيح للمراقبين والدبلوماسيين قراءة المواقف دون الحاجة لتصريحات صريحة. الفرق البروتوكولية المدربة تخطط كل عنصر بعناية لتأكيد الاحترام أو توجيه إشارات دقيقة حول التقارب أو التوتر، ما يحول كل اجتماع رسمي إلى منصة لدراسة النفوذ وبناء التحالفات.
في المقابل، تركز البروتوكولات الرئاسية في الدول الغربية على الالتزام الصارم بالقواعد الرسمية والتنظيمية. ترتيب الجلوس، توقيت بدء الاجتماعات، أسلوب تقديم الوثائق والهدايا، والمسافات بين القادة، كلها محسوبة لتظهر مستوى الثقة والهيبة بين الأطراف. الإعلام الدولي يولي اهتمامًا كبيرًا لهذه التفاصيل، لأنها تنقل رسائل سياسية ودبلوماسية غير معلنة. البروتوكولات الغربية لا تقتصر على الشكل، بل تصبح أداة لتحديد الأولويات الاستراتيجية وإرسال إشارات دقيقة حول دعم أو تحفظ تجاه سياسات معينة، ما يجعل كل اجتماع منصة واضحة للتواصل السياسي والدبلوماسي.
في العالم العربي، تولي البروتوكولات الرئاسية أهمية كبيرة لترسيخ الهيبة وتنظيم اللقاءات الرسمية مع المسؤولين المحليين أو الضيوف الدوليين، من ترتيب المقاعد وتوزيع المرافقين، وأحيانًا الخرائط الخلفية والصور واختيار ألوان الزهور والستائر، بما يعكس الرتبة الرسمية ومكانة الضيف. الرمزية تكون واضحة في كل عنصر، من ترتيب الجلوس إلى المسافات بين الأطراف، لنقل رسائل عن الاحترام أو التقارب أو التوتر المحتمل. هذه الإجراءات توفر إطارًا آمنًا لإدارة النفوذ بين المسؤولين والضيوف، وتتيح للرئاسة التعبير عن أولوياتها الاستراتيجية أو تعزيز شراكات اقتصادية وسياسية، ما يجعل الاجتماعات الرسمية منصة لرصد الثقة وبناء التحالفات على المستويين الداخلي والإقليمي.
***
من هنا، نفهم أبعاد المقارنة بين مشاهد الماضي والحاضر، بين الاحتفاء الواضح بوزير خارجيتنا د.بدر عبد العاطي خلال زيارته لموسكو في الثاني والثالث من أبريل الجاري، وبين ما حدث في فبراير وشهور لاحقة خلال العام 2022، حتى وإن تعددت الروايات حول أسباب التباعد بين ماكرون وبوتين على مائدة الرئاسة الروسية. لم يكن أي من هذه الروايات التفسيرية بريئًا من حسابات السياسة. الكرملين يسرب أن رئيس فرنسا رفض الخضوع لفحص «PCR» عبر أطباء القصر، بينما باريس تروج عبر أدواتها أن ماكرون تجنب تسليم عينة حمض نووي «DNA» خشية إساءة استخدامها.
تفسير ثالث ذهب، آنذاك، إلى أن الرجل رفض بروتوكولًا صحيًا لم يتوافق مع جدول زيارته. التفسيرات، رغم اختلافها، لم تنفِ أن خلفها توترًا أعمق يتجاوز الإجراءات الصحية إلى انعدام الثقة. السياسة هنا لم تكن في وضع أفضل، فالتباين في المواقف تجاه ما كان يجري على الأرض في أوكرانيا جعل المسافة على المائدة امتدادًا طبيعيًا لمسافة أكبر في الرؤية والتقدير. لم تعد «مسافة الأمان» مرتبطة بالصحة فقط، بل أصبحت انعكاسًا لحسابات دقيقة وصلت إلى حد تجنب المصافحة نفسها، وكأن البروتوكول يعيد تعريف حدوده تحت ضغط واقع سياسي متأزم.
المشهد لم يعد استثناءً، بل تحول إلى نمط يعكس أزمة ثقة ممتدة بين موسكو والعواصم الأوروبية. في قلب هذا المشهد، تصدرت المائدة البيضاء الصورة، لا كقطعة أثاث فحسب، بل كرسالة سياسية مكتملة الأركان، عبرت إلى العالم من خلال الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، حتى بدت وكأنها ترسم خطًا فاصلاً بين موسكو وبروكسل، يوضح أن أي تقارب دبلوماسي محتمل يحتاج إلى تجاوز عقبات ثقة عميقة ومتجذرة. ولم يتأخر الفضاء الرقمي في التقاط دلالة المائدة البيضاء وإعادة إنتاجها بطرق ساخرة ومبتكرة.
تعددت مظاهر السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي بلغات مختلفة، وتنافس صناع الكوميكس في تضخيم الفجوة بصريًا: ظهرت الرسوم التي تصور الزعيمين يتبادلان الحديث عبر مكبرات صوت، أو يلعبان تنس الطاولة على سطح المائدة الممتد، بينما عرضها آخرون كحلبة تزلج، وقارن بعض جمهور العالم المشهد بلوحة «العشاء الأخير» لليوناردو دا فينشي. لم تكن هذه السخرية مجرد ترف، بل مثلت قراءة شعبية مباشرة لمعنى المسافة عندما تتحول إلى خطاب سياسي واضح.
الاستدعاء اللافت، آنذاك، للوحة النهضة ربط لقاءات بوتين مع قادة أوروبيين بمشهد يتشارك فيه الجميع مائدة واحدة، لكن التوتر يملأ اللحظة. الفارق الجوهري أن لوحة «العشاء الأخير» جسدت لحظة إنسانية مكثفة ضمن مساحة قريبة، بينما المائدة الروسية عكست اتساع المسافة بدل احتوائها، ما يوضح كيف يمكن للطاولة نفسها أن تجمع أو تفرق بحسب السياق السياسي والمعنوي.
مائدة بوتين الرئاسية البيضاء تبدو أكبر من قطعة أثاث إيطالية فاخرة صنعتها ورشة «أوك فيرنيتشر» في تسعينيات القرن الماضي، لكنها أصبحت عنوانًا كاشفًا في العلاقات الإقليمية والدولية، إذ تحولت إلى مؤشر على تحولات النفوذ، محددة أبعاد التحالفات والخلافات، ومُظهرة دور الرمزية المكانية في صياغة المشهد السياسي العالمي، والأهم، ما تحظى به مصر من مكانة تفضيلية، تذكّر شعبنا العظيم، الذي حدد مساره الوطني، بأنه شريك المؤسسات المتناغمة في كل النجاحات.
