في لحظة من لحظات المكاشفة السياسية النادرة، تبرز التساؤلات حول جدوى الكيانات الإقليمية التي أُسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
حينما يتحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية عن “التركة الثقيلة” التي يرثها جيل من الدبلوماسيين عن جيل آخر، فإننا لا نتحدث فقط عن انتقال مهام إدارية، بل عن أزمة هوية تعصف بالعمل العربي المشترك في ظل إقليم متموج بالصراعات والتدخلات الدولية.
الجامعة العربية.. بين الميثاق والواقع
تأسست جامعة الدول العربية في عام 1945، قبل الأمم المتحدة بشهور قليلة، لتعبر عن حلم الوحدة العربية. لكن التاريخ، كما تظهره الأيام، لا يسير بخطوط مستقيمة.
إن الحديث عن إلغاء ميثاق الجامعة العربية، كما أشار أبو الغيط، ليس مجرد “فرقعة” إعلامية، بل هو طرح لسؤال جوهري: هل من مصلحة العرب اليوم هدم هذا البيت، أم أن بقاءه، رغم ضعفه، وهو الملاذ الأخير لصوت عربي موحد في المحافل الدولية؟
إن ميزان القوى في المنطقة لم يعد يقتصر على اللاعبين العرب وحدهم. فهناك قوى إقليمية مثل إيران وتركيا، وقوى دولية كبرى، ترى في غياب “الصوت العربي الجماعي” فرصة لفرض هيمنتها. وإذا ما تقرر في لحظة انفعال سياسي إلغاء هذا الكيان، فإن البديل لن يكون “فراغاً”، بل سيكون هيمنة مطلقة لقوى من خارج النسيج العربي.
القدرات الدفاعية والقدرة على الفعل
أثار الأمين العام نقطة في غاية الحساسية، وهي الفارق بين “الإدانة” و”الفعل العسكري”. الجامعة العربية، بطبيعتها، ليست حلفاً عسكرياً مثل “الناتو”، ولا تمتلك الأسلحة المتطورة مثل القاذفات الاستراتيجية B-1 أو المقاتلات الشبحية F-35. ومن هنا، تبرز إشكالية التوقعات الشعبية التي تطالب الجامعة بفعل ما لا تملكه أدواته.
إن الرهان على الجامعة العربية في حل النزاعات المسلحة مباشرة هو رهان على “سراب” سياسي، ما لم تتوفر الإرادة الجماعية للدول الأعضاء لتحويلها إلى قوة فاعلة.
استشراف المستقبل: خيار البقاء أو التلاشي
إننا أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول الجامعة العربية إلى مؤسسة مرنة قادرة على التكيف مع تحولات القرن الحادي والعشرين، أو تظل مجرد صدى لأحداث تقع خارج إرادتها.
مع الأخذ في الاعتبار أن القوى الكبرى والقوى الإقليمية المنافسة تدرك جيداً أن ضعف الجامعة هو قوتها، وأن تفتيت العرب إلى كيانات متصارعة هو السبيل الأمثل للسيطرة على الممرات المائية ومنابع الطاقة.
إذن المستقبل يتطلب إعادة صياغة الميثاق، لا إلغاءه، وبناء جسور من المصالح الاقتصادية التي تسبق التوافقات السياسية، تماماً كما بدأ الاتحاد الأوروبي كـ “تجمع للفحم والصلب”.
إن الربط بين مصالح الشعوب هو الخيط الوحيد الذي يمكن أن ينقذ المؤسسة من الانهيار تحت ثقل الأزمات السياسية.
ويمكن القول:
٠إن جامعة الدول العربية، رغم كل ما يوجه إليها من نقد، تظل المنبر الوحيد الذي يتيح للعرب الحديث بصوت واحد، مهما كان هذا الصوت خافتاً.
٠إن التحدي الحقيقي لا يكمن في “إلغاء الميثاق”، بل في استعادة الروح لهذا الميثاق بما يتناسب مع لغة العصر وموازين القوى الجديدة.
•إن “التركة الثقيلة” التي تحدث عنها أبو الغيط هي مسئولية تاريخية لا تقع على عاتق الأمين العام وحده، بل على عاتق القادة العرب الذين يتعين عليهم الاختيار بين الوحدة أو التلاشي في ظل صراع القوى العظمى.
………
سياق الخبر ومصادره
تم تداول تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، خلال مقابلة تليفزيونية أجراها مع قناة “الحدث”، حيث تناول مستقبل الجامعة العربية في ظل الأزمات الراهنة.
المصدر الأساسي: قناة الحدث (Al Hadath).
تاريخ النشر: 26 مارس 2026.
توقيت النشر: 08:00 مساءً بتوقيت القاهرة.
وكالات أنباء أخرى قامت بالنشر:
وكالة أنباء الشرق الأوسط (MENA): 27 مارس 2026، 10:00 صباحاً.
سكاي نيوز عربية: 27 مارس 2026، 01:00 ظهراً.









