لم يعد العالم يتعامل مع التهديدات النووية بوصفها مجرد رسائل ردع تقليدية، بل كإشارات إنذار حقيقية لاحتمال انزلاق البشرية إلى مواجهة لا تُبقي ولا تذر.
فحين تصدر تصريحات تتحدث عن «محو دولة خلال دقائق» أو «إعادتها إلى العصر الحجري»، فإننا لا نكون أمام خطاب سياسي عابر، بل أمام تحول خطير في لغة القوة، حيث يصبح السلاح النووي خيارًا مطروحًا، لا مجرد أداة ردع.
التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران يعكس هذا التحول بوضوح، فكل طرف يلوّح بما يمتلكه من قدرات، ويؤكد استعداده للرد في حال تعرضه لضربة.
وهنا تكمن الخطورة، منطق «الضربة مقابل الضربة» لم يعد محكومًا بسقوف تقليدية، بل بات مفتوحًا على احتمالات قصوى، تبدأ بالتصعيد ولا يُعرف أين تنتهي.
إيران، التي بنت استراتيجيتها العسكرية على مبدأ الردع غير المتكافئ، تسعى إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم عليها لن يمر دون ثمن باهظ.
وفي المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على تفوقها العسكري الساحق، وعلى قدرتها على فرض معادلات ردع قاسية، لكن المشكلة أن هذا التوازن ليس استقرارًا، بل هو هشاشة مقنّعة، قابلة للانفجار في أي لحظة.
الحديث عن الصواريخ العابرة للقارات، أو عن قدرات نووية محتملة، لم يعد مجرد تحليل نظري، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي، وهذا في حد ذاته تطور مقلق، لأنه ينقل النقاش من دائرة السياسة إلى حافة الكارثة.
الأخطر من ذلك أن المنطقة بأكملها تقف على صفيح ساخن من الخليج إلى العراق، ومن لبنان إلى غزة، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك المصالح، في ظل غياب تسوية شاملة تعالج جذور الصراع. وفي مثل هذا المناخ، قد تكون شرارة صغيرة كفيلة بإشعال حريق إقليمي واسع، قد يتطور إلى مواجهة دولية مفتوحة.
إن الرهان على «عقلانية اللحظة الأخيرة» قد لا يكون كافيًا هذه المرة، فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بقرارات محسوبة، بل بسوء تقدير، أو خطأ في قراءة نوايا الخصم، أو اندفاع غير محسوب تحت ضغط اللحظة.
العالم اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما العودة إلى منطق التهدئة والدبلوماسية، أو الاستمرار في التصعيد حتى الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأخطر، هل ما زالت هناك خطوط حمراء حقيقية، أم أن كل شيء أصبح قابلًا للكسر؟
ما يحدث الآن ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على البقاء، لأن أي مواجهة نووية، مهما كانت محدودة، لن تكون مجرد حرب.. بل ستكون نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الإنسانية.، ، !!
(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًترامب: إيران خدعتنا بشأن إعادة فتح مضيق هرمز
وول ستريت: جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران خلال أيام








