مقالات

الشرق الأوسط بين المهلة والهدنة.. استراحة محارب أم رواية صراع مفتوح؟ – الأسبوع

من ملامح هذه الحقبة التاريخية في الشرق الأوسط أن المواطن العربي بات يعيش بين هدنة ومهلة، لا يملك فيهما يقينًا لمستقبلٍ مستقر، بل يظل مستقبله معلقًا بين توقف مؤقت للتصعيد وانفجار محتمل لا يُعرف توقيته.

لم تعد الحروب هي الحالة وحدها، ولا السلام هو الوجه المقابل لها، بل أصبح الواقع نفسه حالة وسيطة طويلة، يُعاد فيها إنتاج القلق أكثر مما يُصنع فيها الاستقرار.

وفي السياق السياسي الأوسع، برزت خلال السنوات الأخيرة ملامح مقاربة أمريكية أكثر ميلاً لإدارة النزاعات بدل حسمها، خصوصًا في عهد إدارة ترامب، حيث جرى التعامل مع ملفات الشرق الأوسط بمنطق «المهلة» أكثر من منطق التسوية النهائية، من غزة إلى لبنان وصولًا إلى إيران، بدت السياسة الأمريكية أقرب إلى هندسة الوقت السياسي: وقف مؤقت للتصعيد، إعادة ضبط لشروط الاشتباك، ثم الانتقال إلى مرحلة تفاوضية أكثر تعقيدًا.

ففي غزة، طُرحت ترتيبات هدنة متكررة كمدخل لاحتواء التصعيد دون إنهائه جذريًا، بينما في لبنان برزت فكرة نزع سلاح حزب الله كعنوان مركزي لأي تسوية مستقبلية، وهو ملف لا يمكن فصله عن البنية الإقليمية الأوسع. أما في الحالة الإيرانية، فالصراع بقي مفتوحًا على احتمالات التصعيد المباشر أو إدارة التوتر عبر تفاوض غير مكتمل، بما يجعل المنطقة كلها داخل دائرة تهديد مستمر.

وفي هذا الإطار، يأتي الحديث عن هدنة لمدة عشرة أيام في لبنان كجزء من مسار سياسي وعسكري أوسع، يتزامن مع بداية مشاورات ومفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. غير أن أي مسار تفاوضي في هذا السياق لا يمكن قراءته بمعزل عن المعادلة الإقليمية الأعمق، حيث يبقى دور إيران حاضرًا بشكل غير مباشر، باعتبارها طرفًا أساسيًا في بنية العلاقة مع حزب الله، ما يجعل أي تسوية محتملة تمر فعليًا عبر هذا التعقيد الإقليمي، حتى وإن لم يكن ظاهرًا على طاولة التفاوض.

في هذه المنطقة، لا تبدو الهدنة نهاية لحرب، ولا تبدو المهلة بداية لسلام مستقر، بل أقرب إلى محطة مؤقتة في مسار طويل من الصراع، يتبدّل فيه شكل المواجهة بينما تبقى جذوره قائمة، الشرق الأوسط، في صورته الراهنة، لا يعيش لحظة استقرار بقدر ما يعيش زمنًا مُعلّقًا بين التهدئة والانفجار.

ما يُقدَّم سياسيًا بوصفه «هدنة» أو تجميدًا مؤقتًا للتصعيد لا يمكن فصله عن منطق إعادة التموضع، فكل توقف للأعمال العسكرية، حتى لو كان قصيرًا، يتحول عمليًا إلى فرصة لإعادة ترتيب الحسابات: على الأرض عبر إعادة الانتشار، وفي السياسة عبر اختبار التوازنات، وعلى مستوى الإقليم عبر جس نبض الأطراف الفاعلة.

هنا لا تكون المهلة حيادًا، بل جزءًا من إدارة الصراع، فالقوى المتواجهة لا تتوقف عن التفكير في ما بعد الهدوء، بل تستثمره كمرحلة انتقالية لتحسين شروط المواجهة المقبلة، بهذا المعنى، يصبح الصمت المؤقت امتدادًا غير معلن للصراع، لا انقطاعًا عنه.

سياسيًا، تُفرض الهدن غالبًا بفعل تداخل الضغوط الدولية مع حسابات الأطراف المحلية، لكنها في الغالب لا تُنتج حلولًا نهائية، بقدر ما تُنتج «تسويات مؤقتة» تمنع الانفجار الكامل دون أن تعالج أسبابه، وهكذا تتحول إلى أداة لإدارة الأزمة، لا لإنهائها.

وعسكريًا، نادرًا ما يكون التوقف محايدًا، ففترات الهدوء القصير تُستخدم لإعادة تقييم الأداء، معالجة الثغرات، وتحديث بنك الأهداف، ما يجعلها جزءًا من دورة الحرب نفسها. لذلك لا يمكن قراءة الهدنة خارج سياق الاستعداد للجولة التالية، حتى لو لم تكن مؤكدة التوقيت.

أما اقتصاديًا، فالمنطقة تدفع ثمن هذا التذبذب المستمر، فغياب الاستقرار الحقيقي يُبقي الأسواق في حالة قلق دائم، ويجعل أي تحسن ظرفي هشًا وسريع التلاشي. لا حرب تُنهك وحدها، ولا هدنة غير مضمونة تمنح الثقة الكافية للتعافي.

السؤال الأعمق هنا ليس: هل يعيش الشرق الأوسط بين مهلة وهدنة؟ بل: لماذا تحوّل هذا النمط إلى قاعدة وليس استثناء؟ الإجابة ترتبط ببنية أزمات لم تُحسم، وتوازنات إقليمية ودولية ما زالت تُدار بمنطق احتواء الصراع لا حله، ما يجعل التجميد المؤقت أكثر احتمالًا من التسوية النهائية.

من هنا يمكن القول إن المنطقة لا تقف بين الحرب والسلام فقط، بل داخل منطقة رمادية ممتدة، عنوانها «استراحة محارب»، فيها لا تتوقف المعارك تمامًا، ولا تُحسم القضايا جذريًا، بل يُعاد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة، مع كل هدنة جديدة.

وفي النهاية، يبقى الشرق الأوسط أقرب إلى رواية مفتوحة لا فصل نهائي فيها حتى الآن، تتغير فصولها بسرعة، لكن نهايتها لا تزال مؤجلة.

(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًعاجل| إيران تعلن فتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام جميع السفن

وزير الخارجية يلتقي عضو لجنتي العلاقات الخارجية والاعتمادات بالشيوخ الأمريكي

الشرق الأوسط بين إدارة الصراع وفرص التهدئة

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts