زيارة البابا تواضروس الثاني إلى تركيا – الأسبوع

زيارة البابا تواضروس الثاني إلى تركيا – الأسبوع

حين تتجه أنظار المصريين إلى زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني إلى إسطنبول، فإن الحدث يتجاوز حدود الزيارة الرسمية أو اللقاء البروتوكولي، ليغدو استدعاءً لذاكرة ممتدة عبر ألفي عام، وعودة رمزية إلى أرض كانت من أعظم مسارح التاريخ المسيحي، ومهدًا للكنائس الأولى، وموطنًا لرسل ساروا بين مدنها يحملون البشارة الأولى، ومكانًا شهد صراعات العقيدة وانتصارات الإيمان وتقلبات الإمبراطوريات. فتركيا الحديثة، القائمة فوق جغرافيا الأناضول والقسطنطينية القديمة، ليست مجرد دولة معاصرة، بل طبقات متراكمة من التاريخ الديني والحضاري، ما زالت حجارتها تهمس بأسماء الرسل والقديسين والآباء.

في القرن الأول الميلادي، كانت مدن آسيا الصغرى من أكثر بقاع العالم اتصالًا بالحضارات والطرق التجارية، ولذلك وصلت إليها البشارة المسيحية مبكرًا. ويكفي أن نعلم أن القديس بولس الرسول وُلد في طرسوس، ومنها خرج إلى العالم ثم عاد إليها مبشرًا، فمرّ على مدن غلاطية وأفسس وأيقونية ولسترة وغيرها، يؤسس الكنائس ويكتب الرسائل ويصنع أول شبكة روحية كبرى للمسيحية الناشئة. ولم يكن بولس وحده، فقد ارتبط اسم القديس يوحنا الرسول بمدينة أفسس، حيث عاش سنواته الأخيرة بحسب التقليد الكنسي، بينما حمل القديس بطرس الرسول خدمته إلى أنطاكية التي أصبحت من أعظم مراكز المسيحية الأولى، وهناك دُعي المؤمنون باسم «مسيحيين» للمرة الأولى.

ومع اتساع الإيمان الجديد، تحولت تلك الأرض إلى ساحة لصناعة التاريخ الكنسي. فعلى ترابها انعقد مجمع نيقية الأول الذي صاغ قانون الإيمان في مواجهة الاضطرابات العقائدية، ثم توالت المجامع الكبرى في القسطنطينية وأفسس وخلقيدونية، حيث نوقشت أعقد القضايا اللاهوتية التي شغلت العالم المسيحي لقرون. وفي كل تلك اللحظات، كان صوت كنيسة الإسكندرية حاضرًا بقوة، سواء عبر بطاركتها أو علمائها أو رهبانها، حتى غدت مصر أحد الأعمدة الراسخة في الدفاع عن الإيمان وصياغة الفكر المسيحي الشرقي.

ثم جاءت لحظة التحول الكبرى عندما صعد نجم الإمبراطور قسطنطين الكبير، فأسس القسطنطينية لتكون عاصمة جديدة للإمبراطورية، وسرعان ما تحولت المدينة إلى جوهرة الشرق المسيحي ومركز السياسة والثقافة واللاهوت. هناك ارتفعت القباب، ودُقت الأجراس، وازدهرت المدارس الفكرية، وبرزت بطريركية القسطنطينية كإحدى أهم الكراسي الرسولية. وعلى مدى قرون طويلة، كانت المدينة قلب العالم الأرثوذكسي، ومنها خرجت تأثيرات دينية وثقافية امتدت إلى البلقان وروسيا وشرق أوروبا.

ورغم تعاقب القرون والخلافات التاريخية، عادت جسور التواصل لتُبعث من جديد في العصر الحديث، حين قام البابا شنودة الثالث في أكتوبر عام 1972 بزيارة تاريخية إلى القسطنطينية، حيث التقى بالبطريرك أثيناغوراس الأول، لتُعد أول زيارة معروفة لبابا من كرسي الإسكندرية إلى القسطنطينية منذ قرون طويلة بعد انقسامات الماضي. وقد مثلت تلك الزيارة نقطة تحول مهمة في مسار التقارب الكنسي، وفتحت بابًا جديدًا للحوار بين الكنيستين، وأعادت التأكيد أن ما يجمع الشرق المسيحي أكبر من خلافات التاريخ.

وفي العصر الحديث لم تعد الزيارات الكنسية مجرد مناسبات روحية، بل أصبحت أيضًا أحد وجوه القوة الناعمة للدولة المصرية، حيث تمثل الكنيسة القبطية امتدادًا حضاريًا عريقًا لمصر في العالم، ويسهم حضور بابا الإسكندرية في المحافل الدولية في دعم صورة الوطن، وترسيخ قيم التعايش، وشرح المواقف المصرية في قضايا الاستقرار والسلام والتنمية. وقد لعب البابا تواضروس الثاني دورًا بارزًا في هذا الإطار، من خلال زياراته الخارجية ورسائله المتوازنة التي تؤكد وحدة المصريين، وتساند حق الدولة في حماية مؤسساتها، ومواجهة التطرف، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أحد أعمدة الجمهورية الحديثة.

وتتجلى أهمية البعد السياسي لهذه الزيارة إذا ما استُحضرت سنوات التوتر التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، حين انحازت أنقرة آنذاك إلى جماعة الإخوان، واحتضنت خطابًا معاديًا للدولة المصرية، في وقت كانت فيه مصر تواجه موجة عنف داخلي شملت الاعتداء على الكنائس وحرق عدد منها واستهداف دور العبادة والممتلكات العامة. يومها وقفت الكنيسة المصرية، بقيادة البابا تواضروس الثاني، موقفًا وطنيًا واضحًا، معتبرة أن الدفاع عن الدولة المصرية ووحدة شعبها يتقدم على كل اعتبار، وأن ما أُحرق من مبانٍ يمكن إعادة بنائه، أما الوطن إذا سقط فلن يُعوَّض.

لكن السياسة، كما التاريخ، لا تبقى جامدة. فقد شهدت السنوات الأخيرة مسارًا متدرجًا من التقارب المصري التركي، انتقل من التهدئة إلى استعادة العلاقات وتبادل الزيارات وفتح قنوات التعاون، في تحول يعكس إدراكًا متبادلًا لثقل البلدين وأهمية الاستقرار الإقليمي. ومع تصاعد العدوان على غزة ورفض مصر القاطع لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، برزت مواقف تركية داعمة لوقف التهجير ورفض تصفية القضية الفلسطينية، لتجد القاهرة وأنقرة نفسيهما أقرب في ملفات كبرى تتعلق بأمن المنطقة ومستقبلها.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة البابا تواضروس الثاني إلى إسطنبول معنى أوسع من بعدها الكنسي، إذ تأتي في لحظة تتقاطع فيها المصالح السياسية مع الرمزية الحضارية، وتؤكد أن الخلافات مهما طالت يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة. كما تعكس أن مصر، بمؤسساتها الوطنية كافة، دولة قادرة على إدارة التوازن بين الذاكرة والتاريخ، وبين الثوابت والانفتاح، وبين حماية الأمن القومي ومد الجسور مع الآخرين.

كما تحمل الزيارة رسالة معاصرة لا تقل أهمية عن بعدها التاريخي، وهي أن الكنائس الشرقية، رغم ما مر بها من انقسامات وضغوط، ما زالت قادرة على الحوار والتقارب والشهادة المشتركة. وفي زمن تتراجع فيه القيم الروحية أمام صخب العالم، تبدو مثل هذه اللقاءات تذكيرًا بأن الجذور العميقة لا تموت، وأن الشرق الذي أنجب المسيحية الأولى ما زال قادرًا على أن يبعث رسائل نور جديدة.

إن المتأمل في هذا الحدث يدرك أن الأقدام التي تسير اليوم في شوارع إسطنبول، تسير فوق طرق سار فيها الرسل، وأن اللقاءات التي تُعقد اليوم، تعود في صداها إلى قرون من التاريخ. فبين أنطاكية وأفسس ونيقية والقسطنطينية والإسكندرية خيط واحد لم ينقطع، خيط صنعته الصلاة والدموع والجهاد والفكر. ولذلك فإن زيارة البابا تواضروس ليست مجرد خبر عابر، بل فصل جديد في كتاب قديم، كتاب يبدأ من الرسل، ويمر بالدولة الوطنية المصرية، ولا يزال يُكتب حتى الآن.

اقرأ أيضاًخلال حضوره قداس المطرانية.. محافظ بني سويف يُهنئ الإخوة المسيحيين بعيد القيامة

قداس عيد القيامة من الكاتدرائية المرقسية.. حضور رسمي وشعبي وأجواء روحانية

Exit mobile version