د. طارق هلال
لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بإطلاق النار، بل ببناء الرواية، وفي واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الدولي، لا يقرأ التوتر بين الولايات المتحدة وإيران فقط عبر التحركات العسكرية أو الرسائل الدبلوماسية، بل من خلال ما يبث ويحجب ويعاد تشكيله يوميًا على الشاشات والمنصات، هنا، يتحول الإعلام من وسيط ناقل إلى لاعب رئيسي، يحدد كيف يرى العالم الصراع، بل وكيف يتفاعل معه.
التناول الإعلامي عالميًا يكشف عن أن الخبر لم يعد محايدًا بطبيعته، بل محكوم بسياقات القوة والنفوذ، ففي الخطاب الغربي، يقدم المشهد غالبًا ضمن إطار «الردع وحماية الاستقرار الدولي»، بينما تميل المنصات المقربة من إيران إلى تأطيره كصراع مع الهيمنة ومحاولة لفرض الإرادة، وبين هذين الاتجاهين، يتحرك الإعلام الإقليمي وفق توازنات دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المهنية، فيظهر أحيانًا بلهجة حذرة، وأحيانًا بانحيازات غير معلنة.
لكن الأخطر من اختلاف الروايات هو الطريقة التي تصنع بها، فالتضليل الإعلامي لم يعد يعتمد على اختلاق الأخبار بقدر ما يقوم على إعادة ترتيبها، يتم اختيار توقيت النشر بعناية، وتسلط الأضواء على تفاصيل دون أخرى، ويعاد تقديم الحدث من زوايا مختلفة، بما يخلق إدراكًا محددًا لدى الجمهور، الحقيقة هنا لا تخفى بالكامل، لكنها تعاد صياغتها.
في هذا السياق، تبرز الحرب النفسية كأحد أبرز أدوات الإعلام المعاصر، تسريبات غير مؤكدة، تقارير منسوبة إلى «مصادر مطلعة»، وتحليلات تبنى على احتمالات، كلها أدوات تستخدم للتأثير على الحالة الذهنية للمتلقي، الهدف ليس فقط نقل ما يحدث، بل تشكيل ما يشعر به الجمهور تجاه ما يحدث، إما خوف، أو قلق، أو حتى شعور زائف بالسيطرة.
ومع التطور التكنولوجي، دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب هذه المعركة، مضيفًا مستوى جديدًا من التعقيد، لم يعد التضليل يحتاج إلى جهد بشرى كبير، فالتقنيات الحديثة قادرة على إنتاج فيديوهات مزيفة عالية الدقة، وصور تبدو واقعية لأحداث لم تقع، ونصوص تحليلية تكتب آليًا وتقدم على أنها قراءة مهنية. الأخطر من ذلك أن هذه الأدوات تستخدم أحيانًا لاختبار اتجاهات الرأي العام، حيث يتم ضخ محتوى معين وقياس التفاعل معه، ثم إعادة توجيهه بما يخدم أهدافًا محددة.
نماذج هذا الاستخدام باتت واضحة في أوقات الأزمات. مقاطع قديمة يعاد نشرها على أنها جزء من التصعيد الحالي، صور يتم تعديلها لإبراز دمار أو حشود، وخرائط عسكرية تحليلية تنتج رقميًا وتتداول كخطط واقعية، في هذه الحالات، لا يكون الكذب مباشرًا، بل يتم خلق «واقع محتمل» يختلط تدريجيًا بالواقع الفعلي.
ولا يقل توظيف الاقتصاد خطورة في هذا السياق. فالمؤشرات الاقتصادية تتحول إلى أدوات ضغط إعلامي، حيث يتم تضخيم آثار العقوبات على طرف معين، أو التقليل من تأثيرها على طرف آخر، بما يعيد تشكيل صورة القوة والضعف في وعي الجمهور. تقارير عن انهيار عملة أو توقعات بتراجع اقتصادي قد تستخدم كرسائل سياسية أكثر منها قراءات موضوعية.
الإعلام الرقمي بدوره سرع من وتيرة هذا المشهد.لم يعد تشكيل الرأي العام حكرًا على المؤسسات الكبرى، بل أصبح خاضعًا لخوارزميات ومنصات تكافئ الانتشار السريع، «التريند» لم يعد يعكس الأهمية، بل يعكس حجم الدفع والتكرار، حسابات آلية، محتوى معاد تدويره، وتوقيت نشر مدروس كلها أدوات تصنع قضية من لا شيء، أو تضخم حدثًا محدودًا ليصبح قضية رأى عام.
في هذا المناخ، يمكن للإعلام أن يتحول من ناقل للخلاف إلى صانع له، تصريح يتم اقتطاعه من سياقه، تحليل يتم تضخيمه، ورد فعل يبنى على هذا التضخيم، لتدخل الأطراف في دائرة تصعيد لم تكن بالضرورة مخططة. وهنا يصبح الإعلام جزءًا من الأزمة، لا مجرد شاهد عليها.
ورغم كل ذلك، تظل الحيادية الإعلامية ممكنة، لكنها لم تعد سهلة، فهي لا تعنى غياب الرأي، بل الالتزام بمنهج واضح، التحقق من المعلومات، عرض وجهات النظر المختلفة، والفصل بين الخبر والتحليل غير أن هذا التوازن يتطلب إعلاميين يدركون طبيعة المرحلة، ويفهمون أدواتها، خاصة في ظل وجود تقنيات متقدمة قادرة على خداع حتى المتخصصين.
المشكلة تتفاقم حين يتصدر المشهد إعلامي غير ملم بهذه التعقيدات، فيتعامل مع المحتوى دون تدقيق، أو ينقل تحليلات غير موثوقة، أو يخلط بين التوقع والمعلومة، هنا لا يكون الخطأ مهنيًا فقط، بل قد يتحول إلى تأثير سياسي مباشر، يساهم في تضليل الجمهور أو تصعيد المواقف، ومواجهة هذا الواقع لا تكون برفض الإعلام، بل بفهمه. على المؤسسات أن تطور أدواتها، وأن تستثمر في التحقق الرقمي والتدريب العميق، وعلى الجمهور أن يتبنى وعيًا نقديًا، يدرك أن كل خبر يحمل زاوية، وأن ما يبدو مقنعًا ليس بالضرورة صحيحًا.
في النهاية: قد تختلف موازين القوة على الأرض، وقد تتغير التحالفات، لكن المؤكد أن الإعلام سيظل أحد أهم ميادين الصراع، ليس لأنه ينقل الحقيقة، بل لأنه يملك القدرة على تشكيلها، وبين ما يحدث فعلًا، وما نعتقد أنه يحدث مساحة كاملة تدار بالكلمات، وتحسم بالتأثير.
اقرأ أيضاإيران وأمريكا.. خطة عسكرية أمريكية لضرب طهران على طاولة ترامب
مسؤول أمريكي: الجيش يعرض على ترامب خيارات عسكرية جديدة بشأن إيران
قائد بجيش الاحتلال: الحرب على إيران قد تشتعل مجددا خلال ساعات
