كيف يمكن لناقلة نفط كـ «إم تي يوريكا»، أن تُوجَّه من أحد أكثر الممرات البحرية مراقبة في العالم باتجاه المياه الدولية القريبة من سواحل الصومال دون تدخل سريع أو حتى اعتراض حاسم؟ كيف نجحت عملية بهذا الحجم في منطقة تنتشر فيها قوات بحرية أمريكية، أوروبية، وآسيوية، إلى جانب تشكيلات أُنشئت أصلًا لحماية الملاحة ومكافحة القرصنة؟!
الأسئلة لا تتعلق بالحادثة البحرية الأخيرة بقدر ما تكشف خللًا أعمق في بنية الأمن في منطقة القرن الإفريقي، كون اختطاف «إم تي يوريكا» لا يجعل الناقلة التي تشغّلها الإمارات في قلب الأزمة، بل يكشف عن اختبار حقيقي لمنظومة دولية كاملة تقول منذ سنوات إنها تُحكم السيطرة على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
الناقلة، التي انطلقت من ميناء الفجيرة رافعة علم «توجو»، لم تكن تعبر ممرًا بحريًا هامشيًا أو منطقة مجهولة السيادة، بل كانت تتحرك داخل نطاق تُراقبه أقمار صناعية، ودوريات بحرية، وقواعد عسكرية، قبل أن تنتهي رحلتها إلى مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالًا بدا أن العالم حسمه قبل أكثر من 10 سنوات: هل عادت القرصنة البحرية فعلًا، أم أن ما يجري اليوم أكبر من مجرد عصابات بحرية تبحث عن فدية مالية؟
تكمن خطورة ما حدث لـ«إم تي يوريكا» في أن العملية تختبر قدرة القوى الدولية على فرض السيطرة في منطقة تتقاطع فيها صراعات نفوذ، وأنشطة استخباراتية، وخطوط طاقة، ما يشير إلى أن سحب الناقلة إلى منطقة مجهولة (!)، يوحي بأن الخاطفين كانوا يدركون جيدًا أين تبدأ مناطق الفراغ الأمني، وأين تتراجع احتمالات التدخل السريع.
حادثة «إم تي يوريكا» لا يمكن التعامل معها كواقعة اختطاف عادية، بل مدخلًا إلى ملف أوسع يتعلق بأمن الملاحة الدولية نفسه: من يسيطر فعليًا على هذه الممرات؟ من المستفيد من بقائها تحت التهديد الدائم؟ وكيف تحولت منطقة يُفترض أنها الأكثر تأمينًا بحريًا إلى مساحة تسمح بإعادة إنتاج مشاهد ظن العالم أنها انتهت مع ذروة القرصنة الصومالية قبل سنوات؟
لفهم ما جرى لـ«إم تي يوريكا»، فالقرصنة البحرية في منطقة القرن الإفريقي لم تظهر فجأة، ولا يمكن اختزالها في نشاط إجرامي محدود في عرض البحر، لكنها نتيجة مباشرة لانهيار طويل أصاب الدولة الصومالية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين تحولت البلاد من دولة مركزية تسيطر على أحد أكبر سواحل أفريقيا إلى مساحة مفتوحة للفوضى المسلحة والتدخلات الخارجية والاقتصاد غير الرسمي.
مراجعة بيانات المكتب الدولي للملاحة البحرية «IMB» التابع لغرفة التجارة الدولية «ICC»، إلى جانب تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، تكشف أن التحول الأخطر بدأ بعد سقوط نظام الرئيس الراحل، محمد سياد بري، ثم تفاقم مع التدخل العسكري الأمريكي وانهيار مؤسسات الدولة.
في تلك المرحلة، لم تكن البدايات مرتبطة بخطف ناقلات النفط أو احتجاز البحارة الأجانب، بل بعمليات صيد غير قانوني استهدفت المياه الصومالية مستفيدة من غياب الرقابة البحرية، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى شبكات مسلحة أدركت أن الساحل الطويل والسلطة الغائبة يمكن تحويلهما إلى مصدر ضخم للنفوذ والمال.
منذ عام 2005، دخلت ظاهرة القرصنة البحرية مرحلة مختلفة تمامًا. لم تعد الهجمات تقتصر على قوارب صغيرة تعترض سفنًا معزولة، بل ظهرت مجموعات أكثر تنظيمًا تستهدف ناقلات النفط والسفن التجارية في خليج عدن والمحيط الهندي، مستفيدة من هشاشة القرن الإفريقي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية فيه. خلال سنوات قليلة فقط، تحول واحد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى ساحة تهديد مفتوحة.
الأرقام وحدها تكشف حجم التحول الدرامي في ملف القرصنة. بين عامي 2005 و2012، سُجلت أكثر من ألف عملية قرصنة وهجوم بحري في المنطقة، فيما بلغت الذروة عام 2011 مع تسجيل 237 هجومًا، بينها 28 عملية اختطاف مكتملة.
خلال تلك الفترة نفسها اختُطفت نحو 149 سفينة وأكثر من 3700 بحار، بينما قُدرت الخسائر الاقتصادية العالمية بين 7 و18 مليار دولار (وفق تقديرات البنك الدولي) نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين وتعطل سلاسل الإمداد وتحويل مسارات التجارة البحرية.
امتدت آثار القرصنة البحرية في المحيط الهندي وخليج عدن إلى مجموعة واسعة من الدول المطلة على طرق التجارة البحرية الحيوية، وهي: جزر القمر، جيبوتي، كينيا، موزمبيق، مدغشقر، موريشيوس، سيشل، الصومال، وتنزانيا، إضافة إلى اليمن وباكستان ودول الخليج العربي، وفق تقرير البنك الدولي «قراصنة الصومال: إنهاء التهديد وإعادة بناء دولة» الصادر عام 2013.
تأثرت هذه الدول بدرجات متفاوتة نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، وتراجع حركة السياحة والصيد البحري، إلى جانب اضطراب خطوط التجارة الدولية المارة قرب القرن الأفريقي والبحر الأحمر. كما دفعت المخاطر الأمنية كثيرًا من شركات الملاحة إلى تغيير مسارات سفنها أو تعزيز الحماية المسلحة على متنها، مما تسبب في أعباء اقتصادية إضافية انعكست على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد في المنطقة بأكملها.
المراقب لظاهرة القرصنة البحرية يدرك كيف تراجعت نتيجة انتشار دوريات بحرية دولية، وفرض إجراءات أمنية أكثر تشددًا على السفن التجارية، وبين 2013 و2022، انخفض عدد الهجمات بصورة واضحة واعتقدت عواصم غربية كثيرة أن القرصنة الصومالية أصبحت ملفًا تحت السيطرة، قبل أن تطل برأسها مجددًا.
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، اتسع التوتر الإقليمي لاحقًا، فعادت المنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي إلى حالة اضطراب متصاعدة، عبر تسجيل عشرات الحوادث المرتبطة بمحاولات اختطاف وتهديدات بحرية وهجمات على سفن تجارية، في مؤشر على أن ظاهرة القرصنة لم تختفِ أصلًا، بل ظلت كامنة تحت سطح التهدئة الدولية المؤقتة.
وتكتسب حادثة «إم تي يوريكا»، أهميتها من أن البيئة التي سمحت سابقًا بتحويل القرن الإفريقي إلى بؤرة تهديد عالمي بدأت تستعيد نشاطها، لكن هذه المرة داخل مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحروب المفتوحة، والصراعات الاستخباراتية، والمنافسة على خطوط الطاقة والنفوذ البحري.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تجاوزت التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية مضيق هرمز، لتمتد جنوبًا نحو البحر الأحمر والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، عبر ظهور أساليب أكثر تعقيدًا من الهجمات البحرية.
عمليات لا تعتمد على الجيوش النظامية بقدر ما تستند إلى شبكات محلية، ووكلاء غير معلنين، ومجموعات مسلحة قادرة على استغلال الفراغات الأمنية الممتدة بين السواحل اليمنية والصومالية، وهذا النوع من الصراعات لا يحتاج إلى أساطيل ضخمة أو تفوق عسكري مباشر.
يكفي امتلاك قوارب سريعة، معلومات دقيقة، وقدرة على التحرك داخل المناطق الرخوة أمنيًا. هكذا تعمل الهجمات غير المتكافئة: ضرب أهداف ضخمة وعالية القيمة عبر أدوات صغيرة ومنخفضة الكلفة، مستفيدة من المباغتة والثغرات في أنظمة الحماية البحرية، وهو ما دفعت ثمنه الناقلة «إم تي يوريكا» وسفن بحرية أخرى.
البيئة البحرية المحيطة بالقرن الإفريقي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مساحة تتقاطع فيها الجريمة المنظمة بالمصالح السياسية والأمنية. شبكات التهريب، والمجموعات المسلحة، والوسطاء المحليون، وحتى بعض الكيانات التي تتحرك خارج الاعتراف الدولي، باتت تتقاطع داخل المجال نفسه.
في مناطق مثل إقليم «صوماليلاند»، الانفصالي الذي يسعى إلى تثبيت حضوره السياسي والأمني عبر تفاهمات إقليمية معقدة مع إسرائيل وإثيوبيا والولايات المتحدة، تتزايد الأسئلة حول طبيعة الأدوار غير المعلنة المرتبطة بالمراقبة البحرية والدعم اللوجستي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لحركة التجارة والطاقة.
لا توجد أدلة معلنة تربط بشكل مباشر بين هذه الكيانات وعمليات اختطاف السفن، لكن المؤكد أن استمرار الانقسام الصومالي، واتساع النفوذ الخارجي في الموانئ والسواحل، وفّر بيئة تسمح بتشابك المصالح الأمنية والتجارية والاستخباراتية بصورة غير مسبوقة. وهذا ما يجعل أي عملية اختطاف بحرية اليوم جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، لا مجرد حادث جنائي منفصل.
كما أن الفصل الكامل بين القرصنة الصومالية وبعض التنظيمات المسلحة، مثل حركة «الشباب»، لم يعد سهلًا دائمًا. صحيح أن الطرفين يختلفان في البنية والأهداف، لكن التقاطعات اللوجستية والمالية داخل اقتصاد ساحلي هش تفتح المجال أمام أشكال متنوعة من التعاون غير المباشر، سواء عبر شبكات التهريب أو تبادل الحماية أو الاستفادة من البنية غير الرسمية المنتشرة على امتداد الساحل الصومالي الطويل.
تبدو حادثة «إم تي يوريكا» نقطة التقاء لمصالح وصراعات تتجاوز القراصنة أنفسهم، فواشنطن وطهران وتل أبيب تخوض اليوم صراعًا مفتوحًا بأدوات متعددة، بعضها يتحرك بعيدًا عن المواجهة العسكرية المباشرة. ومع ارتفاع كلفة الحرب التقليدية، تصبح خطوط الملاحة البحرية ساحة مثالية للضغط الاقتصادي والأمني، استهداف ناقلة نفط أو تهديد ممر تجاري قد يحقق تأثيرًا سياسيًا يتجاوز أحيانًا نتائج العمليات العسكرية المباشرة.
الأهم أن السيطرة على ناقلة بهذا الحجم لا يمكن تنفيذها بصورة عشوائية أو بقدرات بدائية معزولة. أي عملية من هذا النوع تحتاج إلى بنية دعم متكاملة: مراقبة مسبقة لحركة السفن، معرفة دقيقة بخطوط الإبحار، وسائل اتصال مؤمّنة وفعالة، نقاط ارتكاز ساحلية، وقدرة على إدارة الطاقم المختطف وإبقاء السفينة تحت السيطرة بعيدًا عن الدوريات الدولية.
هذا يعني أن القرصنة الحديثة لم تعد مجرد مجموعات تحمل السلاح في عرض البحر، بل شبكات ممتدة بين البر والمياه، تستفيد من الفوضى الإقليمية وتتحرك داخلها بمرونة عالية. تعمل القرصنة البحرية ضمن اقتصاد محلي غير رسمي، بينما تنشط جماعات مسلحة في مسار سياسي عسكري منفصل، فيما يتعامل الفاعلون الدوليون مع البيئة البحرية عبر أدوات أمنية وعسكرية مستقلة، مع وجود نقاط تماس غير مباشرة بين هذه المستويات.
يتشكل نشاط القرصنة البحرية حول شبكات صغيرة تعتمد على العائد المالي السريع، حيث تُدار العمليات عبر طلب الفدية بعد احتجاز السفن والأطقم، إلى جانب استخدام قنوات تهريب متنوعة لتمويل هذا النشاط. ويرتبط ذلك غالبًا بمناطق ساحلية ضعيفة الحضور الإداري، ما يسمح بتكرار عمليات الإبحار غير القانوني وتوفير ملاذات مؤقتة بعيدًا عن الرقابة المستمرة.
تعتمد هذه الشبكات على معرفة دقيقة بالممرات البحرية القريبة من السواحل، وعلى علاقات محلية توفر لها دعمًا لوجستيًا أساسيًا. ومع استمرار هذا النمط، تتوسع البنية غير الرسمية التي تغذي القرصنة عبر اقتصاد ظل يقوم على تبادل المنافع بين الوسطاء المحليين وبعض المجموعات التي توفر الحماية أو تسهيلات الحركة.
اقتصاد القرصنة لا يعمل ضمن إطار سياسي معلن، بل يستفيد من هشاشة الرقابة البحرية وتفاوت مستوى الحضور الأمني بين منطقة وأخرى. وبهذا التكوين، تصبح القدرة على الاستمرار مرتبطة بمرونة الحركة أكثر من اعتمادها على هيكل تنظيمي ثابت.
على صعيد الجماعات المسلحة ذات الطابع السياسي، فإنها تتحرك وفق أهداف تتعلق بالسيطرة على الأرض وإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الواحدة. وتتنوع مصادر تمويلها بين الضرائب المحلية، والإتاوات، وشبكات التهريب الممتدة عبر الحدود، إضافة إلى موارد غير مباشرة ترتبط بالاقتصاد غير الرسمي في المناطق الريفية والساحلية.
رغم اختلاف الهدف عن القرصنة، إلا أن بعض نقاط التماس تظهر عند مستوى الخدمات اللوجستية أو طرق الإمداد، من دون وجود اندماج ثابت أو بنية مشتركة بين الطرفين. وتحافظ هذه الجماعات على حضورها عبر شبكات محلية معقدة تربط بين مناطق داخلية ومنافذ ساحلية، ما يمنحها قدرة على التأثير في حركة السلع والأفراد.
الارتباط غير المباشر بالبحر يجعل بعض خطوط التهريب متقاطعة مع مناطق نشاط القرصنة، لكن كل طرف يحتفظ بأهدافه وبنيته الخاصة. وبهذا الشكل، لا تتداخل البنى التنظيمية، بل تلتقي عند بعض نقاط الاستفادة المؤقتة من ضعف الرقابة.
أما الفاعلون الدوليون فيتعاملون مع البحر الأحمر وخليج عدن عبر سياسات بحرية تعتمد على حماية الملاحة وتأمين خطوط التجارة الدولية. ويتمثل الوجود العسكري في دوريات بحرية وتحالفات متعددة المهام، إلى جانب قواعد ثابتة في مواقع استراتيجية قريبة من الممرات الحيوية.
تُستخدم هذه الأدوات لمراقبة حركة السفن والتعامل مع التهديدات عند ظهورها، مع الاعتماد على تبادل المعلومات بين القوى البحرية المختلفة. وتتجاور هذه المستويات داخل المجال الجغرافي نفسه من دون اندماج مباشر بينها.
القرصنة تتحرك بدافع الربح السريع داخل بيئة محلية رخوة، والجماعات المسلحة تسعى لتثبيت نفوذ سياسي على الأرض عبر أدوات متعددة، بينما يتركز دور القوى الدولية على تأمين حركة التجارة ومنع تعطّل الممرات البحرية. هذا التداخل غير المباشر يخلق حالة من التقاطع المحدود بين مصالح متباينة، حيث لا تندمج هذه المستويات في بنية واحدة، لكنها تتأثر ببعضها عند نقاط محددة تتغير حسب مستوى التوتر في الإقليم.
حتى الآن، لا تتحدث تقارير المنظمات البحرية الدولية عن وجود دول تدير عمليات القرصنة بصورة مباشرة أو تتبناها رسميًا. الرواية الأكثر تداولًا داخل المؤسسات الدولية تُرجع هذه الهجمات إلى شبكات محلية مفككة تنشط داخل بيئة منهارة أمنيًا، وتستفيد من ضعف الدولة الصومالية، وانتشار السلاح، وغياب الرقابة على أجزاء واسعة من الساحل. ووفق هذا التفسير، فإن القرصنة تبدو نتيجة طبيعية لاقتصاد غير رسمي نما داخل مناطق تعيش منذ عقود خارج السيطرة المركزية.
لكن هذا التوصيف، رغم وجاهته في الظاهر، لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف وصلت الصومال أصلًا إلى هذه المرحلة من التفكك التي جعلت سواحلها واحدة من أخطر المناطق البحرية في العالم؟
العودة إلى جذور الأزمة تكشف أن ما جرى لم يكن مجرد انهيار داخلي من تلقاء نفسه، فمنذ سقوط نظام الرئيس الراحل محمد سياد بري عام 1991، دخلت البلاد مرحلة طويلة من التفكك السياسي والصراع المسلح، انتهت بتآكل مؤسسات الدولة وتحول أجزاء واسعة من الأراضي والسواحل إلى مناطق نفوذ متنازع عليها، وخلال سنوات قليلة اختفى تقريبًا أي وجود فعّال لسلطة مركزية قادرة على ضبط الحدود أو حماية المياه الإقليمية أو تنظيم الاقتصاد الساحلي.
كان «سياد بري»، منذ وصوله إلى السلطة عام 1969، يسعى إلى بناء دولة مركزية قوية نسبيًا، مع تبني نموذج اقتصادي قائم على التأميم وتوسيع دور الدولة، مع ترسيخ مشروع سياسي مرتبط بفكرة «الصومال الكبير». لكن الصراعات الداخلية، والحروب الإقليمية، وتنامي حركات التمرد المسلحة، دفعت البلاد تدريجيًا نحو الانهيار، قبل أن يُطاح به مطلع التسعينيات.
في المقابل، صعد الجنرال محمد فرح عيديد بوصفه أحد أبرز قادة الفصائل المسلحة التي ملأت الفراغ السياسي بعد سقوط النظام. غير أن الصراع على السلطة داخل مقديشو، بين الفصائل المتنافسة، حوّل فكرة بناء سلطة جديدة إلى حرب مفتوحة على الشرعية والنفوذ.
وبدلًا من الانتقال إلى دولة موحدة، دخلت الصومال مرحلة من الاقتتال الداخلي المستمر، أُعيد خلالها توزيع القوة بين الميليشيات والسلاح والولاءات القبلية. داخل هذا المشهد المضطرب، جاء التدخل الأمريكي عام 1992 تحت شعار «إعادة الأمل».
العملية بدأت بغطاء إنساني مرتبط بالمجاعة والانهيار الإنساني، لكنها تحولت سريعًا إلى تدخل عسكري واسع، انتهى بمواجهات دامية في شوارع مقديشو خلال أكتوبر 1993. الصور التي خرجت آنذاك (إسقاط مروحيات بلاك هوك، وسقوط قتلى أمريكيين وصوماليين) لم تغيّر فقط نظرة واشنطن إلى الصومال، بل غيّرت أيضًا مستقبل البلاد نفسه.
بعد تلك المواجهات، أعادت إدارة بيل كلينتون تقييم الوجود العسكري، ثم بدأت الانسحاب التدريجي، تاركة خلفها دولة أكثر هشاشة، وساحة مفتوحة للفصائل المسلحة، وحدودًا بحرية بلا حماية حقيقية. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الأزمة الصومالية مجرد حرب أهلية داخلية، بل تحولت إلى فراغ جيوسياسي طويل المدى، استقطب جماعات مسلحة، وشبكات تهريب، وتنظيمات متطرفة، ثم لاحقًا شبكات قرصنة بحرية أكثر تنظيمًا.
لهذا، يصعب فصل عودة القرصنة عن الإرث الثقيل الذي خلفته تلك المرحلة، لا سيما التدخل الأمريكي. فحين تنهار الدولة لعقود، وتُترك السواحل بلا رقابة، وتتحول الموانئ إلى مناطق نفوذ غير مستقرة، يصبح البحر نفسه امتدادًا للفوضى على اليابسة.
ومن هنا، فإن ما يُقدَّم اليوم باعتباره «تهديدًا بحريًا» لا يمكن فهمه فقط بوصفه نشاطًا إجراميًا، بل كأحد النتائج المباشرة لانهيار سياسي وأمني طويل، تشكّل تحت أعين القوى الدولية، ثم استُخدم لاحقًا مبررًا لوجود عسكري دائم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ما يجعل حادثة «إم تي يوريكا» أكثر إثارة للقلق ليس وقوعها في منطقة معزولة أو خارجة عن المتابعة الدولية، بل العكس تمامًا، فالناقلة تحركت داخل واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وخضوعًا للمراقبة العسكرية في العالم، حيث تتقاطع أساطيل أمريكية وأوروبية وآسيوية ضمن منظومة أمنية كثيفة أُنشئت أصلًا لمنع تكرار سيناريوهات القرصنة التي هزّت المنطقة قبل أكثر من عقد.
في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، تقود الولايات المتحدة جزءًا رئيسيًا من منظومة التأمين البحري عبر الأسطول الخامس المتمركز في البحرين، تحت إشراف القيادة المركزية الأمريكية. وعلى امتداد القرن الإفريقي، تنتشر قوة الاتحاد الأوروبي البحرية «أتالانتا»، التي تأسست لمرافقة السفن التجارية وحماية شحنات «برنامج الغذاء العالمي» وملاحقة شبكات القرصنة.
تعمل قوات بحرية مشتركة تضم دولًا غربية وآسيوية عدة، إلى جانب حضور صيني وهندي متزايد، فضلًا عن عمليات سابقة نفذها حلف شمال الأطلسي في المنطقة. بمعنى آخر، نحن أمام مساحة بحرية تُراقَب بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والسفن الحربية وشبكات الرصد الإلكتروني، ومع ذلك نجحت عملية اختطاف «إم تي يوريكا» في فرض نفسها كحدث أمني كبير.
هذا تحديدًا ما يمنح الواقعة أبعادًا تتجاوز السؤال التقليدي حول كفاءة الدوريات البحرية أو اتساع المجال البحري. فمن السهل تفسير أي هجوم منفرد باعتباره ثغرة أمنية عابرة، لكن تكرار التهديدات في محيط القرن الإفريقي يفتح بابًا آخر أكثر حساسية: من المستفيد فعلًا من بقاء هذا الممر الحيوي في حالة توتر دائم؟
الاستفادة هنا لا تقتصر على شبكات القرصنة أو شركات التأمين البحري التي ترتفع أرباحها مع زيادة المخاطر، فاضطراب الممرات البحرية يمنح قوى دولية وإقليمية مبررات إضافية لتوسيع وجودها العسكري والاستخباراتي، وتعزيز نفوذها داخل الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، تحت عنوان حماية الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب والقرصنة.
منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، تحوّل القرن الإفريقي تدريجيًا إلى ساحة أمنية مفتوحة للولايات المتحدة. توسعت القواعد العسكرية، وارتفع مستوى التعاون الاستخباراتي، وزادت العمليات الجوية والبحرية المرتبطة بملاحقة التنظيمات المسلحة، تتصدرها حركة «الشباب».
في قلب هذه المنظومة، أصبحت جيبوتي نقطة ارتكاز أساسية للوجود الأمريكي، خاصة عبر قاعدة «ليمونير» التي تُستخدم لمراقبة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ومتابعة التحركات الإيرانية والصينية والروسية في شرق إفريقيا.
لكن واشنطن ليست الطرف الوحيد الذي يرى في اضطراب القرن الإفريقي فرصة لتعزيز النفوذ، فالصين وسّعت حضورها البحري والتجاري في المنطقة، وتركيا والإمارات استثمرتا بكثافة في الموانئ والبنية التحتية، بينما تنظر قوى إقليمية أخرى إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وسط هذا التزاحم الدولي، تتحول الفوضى أحيانًا إلى أداة نفوذ غير معلنة. فكلما ارتفع مستوى التهديد، تعززت الحاجة إلى القواعد العسكرية وصفقات التسليح والتعاون الأمني وبرامج إعادة بناء المؤسسات المحلية. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن ينفذ عمليات القرصنة، بل بمن يستفيد سياسيًا واستراتيجيًا من استمرار البيئة التي تسمح بعودتها.
هذا لا يعني بالضرورة وجود إدارة مباشرة لهذه الهجمات من قبل دول بعينها، لكنه يفرض قراءة أوسع للمشهد: فالممرات البحرية القريبة من السواحل الصومالية أصبحت نقطة تقاطع بين الاقتصاد العالمي والصراعات الإقليمية والتنافس العسكري والاستخباراتي بين قوى كبرى، وفي مثل هذه الأجواء لا تبقى الفوضى مجرد نتيجة للأزمات، بل قد تتحول إلى واقع تستثمر فيه أطراف متعددة، كلٌّ وفق مصالحه وحساباته الخاصة.
وسط هذا المشهد المثير، لا تبدو إسرائيل بعيدة عن الحسابات الأمنية والجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، حيث تمثل بالنسبة لها أكثر من مجرد نطاق ملاحي بعيد، إذ تُعد امتدادًا بحريًا تمر عبره التجارة القادمة من آسيا وشرق إفريقيا، والطريق المؤدي إلى ميناء إيلات، فضلًا عن كونه أحد المسارات الحساسة المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
لهذا، فإن الملف يشكّل بالنسبة لتل أبيب قضية «أمن قومي»، ومن ثم وُظّفت التهديدات البحرية خلال السنوات الأخيرة في توسيع أشكال التعاون مع أطراف إقليمية ودولية في مجالات المراقبة البحرية، والإنذار المبكر، وأمن الموانئ، والتقنيات المرتبطة بحماية السفن وخطوط الملاحة. وتتحرك هذه الشراكات أحيانًا بصورة معلنة، وأحيانًا أخرى عبر قنوات أمنية واستخباراتية أقل ظهورًا.
في الظاهر، تُقدَّم هذه التحركات باعتبارها جزءًا من جهود حماية التجارة الدولية ومواجهة التهديدات غير النظامية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لكن على المستوى الجيوسياسي تمنح حالة الاضطراب المستمرة إسرائيل مساحة أوسع لبناء حضور أمني وتقني داخل منطقة لطالما اعتُبرت شديدة الحساسية في توازنات الشرق الأوسط وشرق إفريقيا.
لا يقتصر الأمر على التعاون الأمني المباشر، فشركات إسرائيلية تعمل في مجالات الأمن السيبراني، وأنظمة المراقبة البحرية، والتكنولوجيا الدفاعية، باتت جزءًا من سوق إقليمي يتوسع كلما ارتفع مستوى المخاطر البحرية. وكلما تصاعدت التهديدات المرتبطة بالقرصنة أو استهداف السفن، ارتفع الطلب على تقنيات الرصد والحماية والتأمين، ما يمنح هذه الشركات مساحة أكبر للنفاذ إلى البنية الأمنية في الموانئ والممرات البحرية.
يبدو هذا مفسرًا للتعاون الإسرائيلي مع إقليم «صومالي لاند» الانفصالي، الذي يسعى إلى اعتراف دولي على حساب السيادة الوطنية الصومالية. ومنذ إعلان انفصاله من جانب واحد عام 1991، حاول الإقليم بناء شبكة علاقات اقتصادية وأمنية مع قوى إقليمية ودولية، مستفيدًا من موقعه المطل على خليج عدن وقربه من خطوط الملاحة الدولية.
تزايدت أهمية موقع «صومالي لاند» مع توسع الاستثمارات الأجنبية، وتحولت المنطقة إلى نقطة جذب للتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ البحري في القرن الإفريقي. وهذا التوسع يثير بطبيعته حساسيات محلية وإقليمية، ويفتح أيضًا بابًا أوسع للتساؤلات حول طبيعة تداخل المصالح الأمنية والتجارية في المنطقة.
حين تتقاطع مشاريع الموانئ، والتحالفات الإقليمية، والطموحات الجيوسياسية، مع وجود شبكات تهريب وقرصنة ونشاط مسلح على امتداد الساحل، يصبح من الصعب التعامل مع أي حادث بحري باعتباره واقعة منفصلة عن السياق الأوسع.
لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت تورط «صومالي لاند» رسميًا في دعم عمليات القرصنة أو اختطاف السفن، لكن اقتراب بعض الهجمات البحرية من نطاقه الجغرافي، بالتوازي مع انفتاحه الأمني والاقتصادي على إسرائيل وإثيوبيا، يعزّز النقاش حول طبيعة المصالح المتشابكة في تلك المنطقة الحساسة من البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
لا يتعلق السؤال فقط بمن ينفذ عمليات القرصنة، بل بمن يستفيد من استمرار بيئة التوتر نفسها. فكلما بقيت المنطقة معلّقة بين الانقسامات السياسية والهشاشة الأمنية والتنافس الدولي، ازدادت أهمية الممرات البحرية باعتبارها أدوات نفوذ، لا مجرد طرق لعبور السفن والبضائع.
عودة القرصنة البحرية إلى الواجهة منذ عام 2024 لا تفرض ضغوطًا أمنية فقط، بل تعيد تنشيط منظومة اقتصادية كاملة تقوم في جزء منها على إدارة الخطر نفسه. ففي عالم النقل البحري تتحول الاضطرابات وعدد السفن المختطفة إلى تكاليف تُضاف إلى حركة التجارة العالمية كلما ارتفع مستوى التهديد في الممرات البحرية الحيوية.
هنا تحديدًا يظهر الدور المحوري لشركات التأمين البحري، التي ترتبط أعمالها مباشرة بدرجة الاستقرار الأمني في البحار والمضائق الدولية. فكل حادثة اختطاف أو هجوم على سفينة أو تهديد لممر ملاحي تتحول فورًا إلى عنصر جديد في معادلة التسعير. القاعدة الأساسية بسيطة: كلما ارتفع احتمال الخطر، ارتفعت تكلفة التأمين.
حادثة «إم تي يوريكا» جاءت في توقيت شديد الحساسية، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر. وفي مثل هذه الظروف تبدأ شركات التأمين بإعادة تقييم ما يُعرف بـ«تصنيف المخاطر البحرية»، وهو النظام الذي يحدد درجة الخطورة المرتبطة بكل مسار ملاحي أو منطقة عبور.
بمجرد إدراج منطقة ما ضمن نطاق التهديد المرتفع، ترتفع تلقائيًا كلفة التأمين على السفن والحمولات العابرة عبرها. ولا يعتمد هذا التصنيف على عامل واحد، بل على شبكة واسعة من المؤشرات تشمل نشاط الجماعات المسلحة، وتكرار حوادث القرصنة، وطبيعة التهديدات الأمنية، والتقارير الاستخباراتية، والتحذيرات الصادرة عن الهيئات البحرية الدولية.
كل تعديل في هذه المؤشرات ينعكس مباشرة على حركة التجارة والطاقة، خصوصًا في الممرات المرتبطة بنقل النفط والغاز والبضائع بين آسيا وأوروبا. لكن ارتفاع المخاطر لا يعني فقط زيادة الأقساط التأمينية التقليدية، إذ إن كل موجة اضطراب تخلق أيضًا طلبًا جديدًا على منتجات أكثر تنوعًا وربحية للشركات الكبرى، مثل التأمين ضد الاختطاف والفدية، والتغطيات المرتبطة بالحروب والهجمات المسلحة وتعطل سلاسل الإمداد.
مع توسع هذه التهديدات، يتضخم حجم السوق التأميني المرتبط بالأمن البحري، لتصبح الفوضى نفسها عاملًا اقتصاديًا يُعاد تسعيره والاستفادة منه. وفي المقابل لا تقف شركات الشحن خارج هذه المعادلة، إذ تعيد بدورها توزيع الكلفة عبر رفع أسعار الشحن أو تعديل المسارات أو إضافة رسوم مرتبطة بالمخاطر الأمنية، ما يعني أن تأثير حادثة واحدة قد يمتد من البحر الأحمر وخليج عدن إلى أسعار السلع والطاقة في أسواق بعيدة آلاف الكيلومترات.
لا تعمل شركات التأمين بمعزل عن المشهد الأمني، ولا تُختزل القضية في فكرة أن طرفًا واحدًا «يستفيد» من الاضطراب. فما يحدث فعليًا يشكّل دورة اقتصادية متكاملة تتداخل فيها شركات الشحن وأسواق التأمين والقوى البحرية والمصالح الجيوسياسية داخل منظومة عالمية أصبح فيها أمن الممرات البحرية جزءًا من الاقتصاد السياسي للتجارة الدولية، وليس ملفًا أمنيًا منفصلًا.
يمكن قراءة حادثة «إم تي يوريكا» من زوايا متعددة، لكن الزاوية الاقتصادية تبقى الأكثر حساسية، لأن ما يحدث قرب باب المندب لا يظل محصورًا داخل نطاق جغرافي ضيق، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
مضيق باب المندب عقدة استراتيجية تربط الخليج العربي بأوروبا عبر قناة السويس، وتعبر من خلاله نسبة مؤثرة من تجارة العالم المنقولة بحرًا. وخلال عام 2023، مر عبر المضيق ما يقارب 8.7 مليون برميل نفط يوميًا، قبل أن تنخفض التدفقات بصورة حادة خلال عام 2024 إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا نتيجة التوتر الأمني والهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر، بحسب إدارة «معلومات الطاقة» الأمريكية.
رغم هذا التراجع، لا يزال المضيق شريانًا حيويًا لحركة النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا. أكثر من 21 ألف سفينة تعبره سنويًا، فيما تُقدَّر قيمة البضائع التي تمر عبره بنحو 700 مليار دولار سنويًا. وعليه فإن أي اضطراب أمني، حتى لو بدا محدودًا، يترك أثرًا مباشرًا على أسعار الشحن والتأمين والطاقة، ويجبر شركات النقل على إعادة حساباتها بسرعة.
تزداد خطورة المشهد عند ربط باب المندب بمضيق هرمز، الذي يمثل النقطة الأكثر حساسية في تجارة الطاقة العالمية. فخلال عام 2024، بلغت التدفقات النفطية عبر هرمز نحو 20.7 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. لكن إغلاق المضيق على هامش الحرب الأمريكية- الإيرانية يضغط بشدة على الاقتصاد العالمي.
وسط هذا وذاك، فطريق رأس الرجاء الصالح ليس البديل المرغوب فيه من شركات الشحن، كونه بديلًا مكلفًا وبطيئًا. فإعادة توجيه السفن حول جنوب إفريقيا تعني إضافة نحو 15 يومًا إلى زمن الرحلات، مع ارتفاع استهلاك الوقود وكلفة التشغيل والتأمين، رغم أن زيادة التوتر منذ 2024 زادت التدفقات النفطية عبره كمسار بديل إلى نحو 9.2 مليون برميل يوميًا، مقارنة بحوالي 6 ملايين فقط في العام السابق.
تداعيات أزمة القرن الإفريقي لا تتوقف عند الاقتصاد، فالاضطراب البحري يخلق بيئة أمنية أكثر هشاشة على امتداد المنطقة. فكلما توسعت شبكات التهريب والقرصنة والجماعات المسلحة، ازدادت الضغوط على الدول المجاورة، سواء عبر تدفقات الهجرة واللجوء، أو عبر تصاعد التوترات الحدودية، أو من خلال فتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية تحت عناوين الأمن البحري ومكافحة الإرهاب.
تبدو حادثة «إم تي يوريكا» إنذارًا بكشف مرحلة جديدة من الاضطراب في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم. فاختطاف ناقلة نفط داخل نطاق يخضع لكل هذا الحضور العسكري الدولي يتجاوز السفينة نفسها إلى الأسئلة التي تفرضها الواقعة على مستقبل أمن الملاحة العالمية.
أول هذه الأسئلة يتعلق بتراجع مستوى السيطرة الفعلية على الممرات البحرية المحيطة بالقرن الإفريقي، فكلما تفاقمت الصراعات الإقليمية واتسعت مناطق النفوذ المتداخلة، أصبحت القدرة على فرض الأمن الكامل في هذه المياه أكثر هشاشة، حتى في ظل الانتشار الكثيف للأساطيل والقواعد العسكرية.
أما الدلالة الثانية فتتعلق بإمكانية تحوّل البيئة المضطربة في القرن الإفريقي إلى مساحة أكثر ملاءمة لنمو شبكات الاختطاف والقرصنة والتهريب، خاصة حين تتقاطع مصالح جماعات مسلحة، واقتصادات غير رسمية، وتحالفات إقليمية ودولية تبحث عن النفوذ أو الضغط السياسي. وفي مثل هذه البيئات لا تبقى القرصنة نشاطًا معزولًا، بل تصبح جزءًا من شبكة أوسع تستفيد من استمرار التوتر وضعف الدولة.
الدلالة الثالثة أكثر خطورة، لأنها ترتبط بتحويل السفن التجارية وناقلات النفط وأطقم البحارة إلى أدوات ضغط غير مباشرة. فحين يصبح استهداف الملاحة وسيلة لإرسال الرسائل السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، تدخل التجارة العالمية نفسها في قلب الصراع. وهنا لا يعود الخطر مقتصرًا على خسائر مالية أو ارتفاع أسعار التأمين، بل يمتد إلى استخدام الممرات البحرية كورقة ابتزاز دبلوماسي وإنساني مفتوحة.
ثم تأتي الدلالة الأوسع: ما يجري اليوم قد يكون جزءًا من إعادة تشكيل غير معلنة لأمن الممرات الدولية. فالقرن الإفريقي والبحر الأحمر تحولا إلى ساحة تنافس مباشر بين قوى دولية وإقليمية تسعى إلى تثبيت نفوذها العسكري والاستخباراتي والاقتصادي في قلب التجارة العالمية.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد حادثة «MT Eureka» ليس فقط كيف اختُطفت الناقلة، بل أي عالم بحري يتشكل الآن في ظل الحروب المفتوحة، وتآكل الاستقرار الإقليمي، وتزايد الاعتماد الدولي على الممرات الضيقة التي تكفي أزمة واحدة فيها لتهز الاقتصاد العالمي بأكمله.
اقرأ أيضاً«الصين هي الرابحة من حرب إيران».. تقرير استخباراتي سري يهز واشنطن
اختطاف ناقلة نفط تقل بحارة مصريين من قبل قراصنة الصومال.. آخر تطورات القصة
عملية خاطفة ورصد مقاتلات إسرائيلية.. هل تجهز الولايات المتحدة «بروفة» لعدوان شامل على إيران؟
