في لحظات الخطر الكبرى، تُختبر الدول لا فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل أيضًا بقدرتها على استدعاء كل أدواتها الوطنية للدفاع عن نفسها.
وقضية سد النهضة الإثيوبي، ليست مجرد أزمة عابرة في علاقات إقليمية متشابكة، ولا مجرد خلاف تقني حول قواعد ملء وتشغيل.
نحن أمام قضية تمس الشريان الذي تشكلت حوله مصر نفسها.
قضية تتعلق بالنهر الذي لم يمنح المصريين الماء فقط، بل منحهم الجغرافيا، والتاريخ، والاستقرار، والخيال، ومعنى الاستمرار.
ولهذا، فمن الطبيعي أن ينشغل بهذا الملف السياسيون والدبلوماسيون وخبراء المياه والقانون الدولي والمهندسون.
ومن الإنصاف أيضًا التأكيد على أن الدولة المصرية، على المستوى الرئاسي والسياسي والدبلوماسي وإدارة الموارد المائية، تعاملت مع ملف سد النهضة باعتباره قضية أمن قومي ووجود وطني، وهو ما انعكس في وضوح الخطاب المصري وثباته عبر السنوات.
لقد تمسكت مصر بموقف واضح ومسؤول، قائم على احترام القانون الدولي، والدفاع عن الحقوق التاريخية، والبحث المستمر عن حلول عادلة ومتوازنة تحفظ مصالح جميع الأطراف دون الإضرار بحقوق الشعب المصري.
وكان المبدأ المصري واضحًا منذ البداية: مصر لا تعادي حق أي شعب في التنمية، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل المساس بحقها التاريخي في الحياة.
ومن هنا ظل الموقف المصري ثابتًا في جوهره: عدم التفريط في نقطة ماء واحدة من الحصة المائية التي تمثل بالنسبة لمصر مسألة وجود، لا مجرد مورد اقتصادي أو ملف تفاوضي قابل للمساومة.
وقد نجحت الدولة المصرية في إدارة هذا الملف بدرجة عالية من ضبط النفس والمسؤولية السياسية، بما عكس فهمًا دقيقًا لحساسية القضية وتعقيداتها الإقليمية والدولية.
لكن مثل هذا الجهد السياسي والدبلوماسي الكبير، على أهميته، يحتاج بالضرورة إلى ظهير ثقافي موازٍ، يشرح، ويفسر، ويدافع، ويخاطب الداخل والخارج بلغة أخرى لا تقل أهمية عن لغة السياسة.
لكن غير الطبيعي، بل المثير حقًا للتساؤل، أن تغيب وزارة الثقافة المصرية عن هذا المشهد الطويل، وكأن النيل شأن إداري أو هندسي خالص.
منذ سنوات طويلة، يتابع المصريون أخبار سد النهضة بقلق مفهوم، وتتصدر القضية النقاشات العامة بوصفها واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الدولة المصرية.
ومع ذلك، وبينما تحدث الجميع تقريبًا عن السد، ظل غياب وزارة الثقافة لافتًا.
منذ عام 2013 تعاقب على الوزارة ما يقرب من سبعة أو ثمانية وزراء، بينما كانت قضية سد النهضة تتصاعد عامًا بعد عام، حتى أصبحت قضية وجودية بامتياز، ومع ذلك، لم يظهر حضور واضح أو متماسك لوزارة الثقافة تجاه هذه القضية، لا على مستوى الخطاب، ولا على مستوى التفاعل العام، ولا حتى على مستوى الإشارات الرمزية التي تعكس إدراكًا لطبيعة اللحظة.
وقد يتصور البعض أن الأمر طبيعي، باعتبار أن سد النهضة شأن سياسي وفني وقانوني بالأساس.
لكن هذا التصور نفسه هو جوهر المشكلة.
فسد النهضة ليس مجرد نزاع حول حصص مياه أو قواعد ملء وتشغيل، ولا مجرد ملف تفاوضي يُترك للخبراء وحدهم. القضية في جوهرها ترتبط بصورة مصر عن نفسها، وعلاقتها بتاريخها، وإدراك مجتمعها لمعنى النيل ذاته.
فالنيل ليس شأنًا يخص وزارة بعينها.
إنه قضية وطنية عابرة للمؤسسات.
وحين تواجه دولة تحديًا يتعلق بمصدر حياتها التاريخي، لا يكون المطلوب فقط إدارة الملف تقنيًا، مهما كانت أهمية ذلك، بل أيضًا إدارة الوعي العام المرتبط به.
وهنا تحديدًا يظهر دور الثقافة.
الثقافة ليست رفاهية تُمارَس بعد انتهاء المعارك الكبرى، وليست قطاعًا هامشيًا مهمته تنظيم الفعاليات والمناسبات فقط. الثقافة هي المجال الذي تُصاغ فيه المعاني الكبرى للدولة والمجتمع، والذي يُعاد عبره تعريف القضايا المصيرية داخل الوعي الجمعي.
ومن غير المفهوم أن تبقى وزارة الثقافة بعيدة إلى هذا الحد عن قضية بحجم سد النهضة، وكأنها شأن يخص مؤسسات أخرى فقط.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المعارك الكبرى لم تعد تُدار فقط بالأدوات التقليدية. هناك معركة سرديات وصور ذهنية ووعي جمعي، ومعركة على كيفية إدراك الشعوب لقضاياها المصيرية.
المعركة هنا ليست قانونية وسياسية فقط، بل هي أيضًا معركة رواية وسردية.
وفي ملف مثل سد النهضة، لا يتعلق الأمر فقط بإدارة نقاش داخلي حول قيمة النيل في الوعي المصري، بل أيضًا بقدرة مصر على شرح رؤيتها وموقفها التاريخي والحضاري أمام العالم.
فمصر، بحكم تاريخها الثقافي وحضورها الرمزي، تملك من أدوات القوة الناعمة ما يؤهلها لتقديم خطاب أكثر عمقًا وإنسانية حول علاقتها بالنيل، وشرح طبيعة المبدأ المصري القائم على الدفاع عن حق تاريخي في الحياة والتنمية والاستقرار، لا على منازعة الآخرين حقوقهم.
وهنا يمكن للثقافة أن تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن أي دور آخر، عبر مخاطبة الخارج بلغته، والانفتاح على الأوساط الثقافية والإبداعية المؤثرة، خصوصًا بين الكتّاب والمفكرين والفنانين وصناع الرأي، ممن يشكلون في أحيان كثيرة جزءًا مهمًا من المناخ الفكري المحيط بصناعة القرار أو التأثير في الرأي العام الدولي.
فالخطاب الثقافي، حين يُحسن توظيفه، قادر على تقديم الموقف المصري بصورة أكثر تركيبًا وعمقًا من اللغة السياسية المجردة، وأكثر قدرة على الوصول إلى دوائر لا تصل إليها البيانات الرسمية بسهولة.
الأكثر غرابة أن المجال الثقافي المصري لا يفتقر إلى الأفكار أو المبادرات أو الرؤى المرتبطة بهذه القضية. هناك من يفكر، ويكتب، ويقترح، ويحاول بناء تصورات مختلفة تربط بين الثقافة والنيل وسد النهضة بوصفها قضية وعي ووجود.
لكن المشكلة تبدو أحيانًا في غياب الإنصات المؤسسي الكافي.
وكأن الملف، رغم ضخامته، لا يزال خارج خريطة الاهتمام الثقافي الرسمي.
إن استمرار هذا الغياب يطرح سؤالًا أكبر من مجرد تقييم أداء وزارة بعينها: هل ما زلنا ننظر إلى الثقافة باعتبارها عنصرًا تكميليًا يمكن الاستغناء عنه في القضايا المصيرية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذه خسارة مضاعفة.
لأن الدول لا تدافع عن مصالحها فقط عبر التفاوض والقانون والخبرة الفنية، بل أيضًا عبر بناء وعي داخلي متماسك بقضاياها الكبرى.
إن قضية النيل لا تحتاج فقط إلى مفاوضين وخبراء ومهندسين، على أهمية دورهم جميعًا.
هي تحتاج أيضًا إلى خيال وطني متجدد، وإلى مؤسسات تدرك أن حماية النهر تبدأ أيضًا من حماية معناه في الوعي المصري، وبالطبع تكوين وترسيخ وعي عالمي بحقنا المشروع.
من الإنصاف القول إن الوزيرة الحالية، الدكتورة جيهان زكي، حديثة العهد بالمنصب، وبالتالي لا يجوز تحميلها مسؤولية غياب ممتد لسنوات.
بل إن سيرتها المهنية نفسها تمنح قدرًا من التفاؤل المشروع. فالدكتورة جيهان زكي ليست قادمة إلى الوزارة من مسار إداري تقليدي مغلق، بل تحمل خبرات تتقاطع بصورة مباشرة مع طبيعة هذا النوع من الملفات المركبة.
فهي كانت عضوًا في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب المصري، وهو ما منحها احتكاكًا مباشرًا بملفات تتجاوز الإطار الثقافي التقليدي إلى دوائر المصالح الوطنية والعلاقات الدولية.
كما أنها كانت أول سيدة تترأس الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة في روما خلال الفترة من 2012 إلى 2019، وهي تجربة تحمل دلالات مهمة، خصوصًا أنها جاءت في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة لصورة مصر في الخارج.
وخلال تلك المرحلة، قامت بدور وطني مهم في دعم صورة الدولة المصرية والتفاعل مع المتغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد عقب ثورة 30 يونيو المجيدة، بما عكس فهمًا عمليًا لما يمكن أن تؤديه الثقافة خارج حدود دورها التقليدي الضيق.
وأقول ذلك أيضًا من واقع معرفة مباشرة، لا من باب الانطباعات العامة.
فعندما كنت رئيسًا لبوابة الحضارات التي أصدرتها مؤسسة الأهرام بمناسبة الذكرى الثالثة لـثورة 30 يونيو المجيدة، استضفت عددًا كبيرًا من المثقفين الأوروبيين الذين كانت لديهم معرفة وثيقة بالمشهد الثقافي المصري في الخارج.
ومن بينهم المؤلف الإيطالي روبرتو باتسي، الذي أقمت له ندوة بمؤسسة الأهرام في فبراير 2016، وقد قال لي حرفيًا تعليقًا على الدكتورة جيهان زكي: “لديكم في روما سيدة هي وزارة في حد ذاتها.”
ولم تكن تلك الإشارة استثناءً، فقد سمعت خلال زياراتي إلى روما وفينيسيا التقدير ذاته تقريبًا، حيث يُنظر إلى الدكتورة جيهان زكي باعتبارها وجهًا مشرقًا ليس فقط للثقافة المصرية، بل للدولة المصرية أيضًا.
ومن هنا، فإن الرهان على أن تستعيد وزارة الثقافة حضورها في ملفات بحجم سد النهضة، في ظل هذه الخلفية والخبرة، لا يبدو رهانًا بلا أساس.
لقد تحدث الجميع تقريبًا عن سد النهضة.
وربما آن الأوان لكي تتذكر وزارة الثقافة أن لديها ما يمكن أن تقوله هي الأخرى.
فحين يتعلق الأمر بالنيل، لا يجوز أن تظل الثقافة صامتة.
ملاحظة ما بعد المقال:
أتذكر واقعة جرت معي في باريس يوم 6 أكتوبر 2019، حين كنت أزور متحف اللوفر.
بعد جولة طويلة وسط الممرات الممتدة شعرت ببعض الإرهاق، فجلست قليلًا بالقرب من فتاة صغيرة تعمل في بيع الهدايا التذكارية، وقلت لها بشكل عابر إن متحفًا بهذا الحجم ربما يحتاج إلى وسيلة حركة داخلية شبيهة بالممرات المتحركة الموجودة في المطارات، لمساعدة الزوار غير القادرين على المشي لمسافات طويلة.
لم تكن الفتاة مسؤولة عن شيء بطبيعة الحال، وتصورت أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
لكن بعد أن أنهيت جولتي، فوجئت بانتظار ثلاثة من موظفي المتحف لي، من بينهم سيدة تُدعى مدام أديل، وكانت مسؤولة رفيعة المستوى، وقد طلبوا مني بكل تقدير أن أشرح لهم وجهة نظري بمزيد من التفصيل.
الأكثر دلالة أنهم تركوني أولًا أُكمل زيارتي كاملة براحة، ثم خصصوا وقتًا للاستماع، وتعاملوا مع الملاحظة العابرة باعتبارها تستحق النقاش والاهتمام.
ولم يتوقف الأمر هنا.
فبعد عودتي، تلقيت رسالة على بريدي الإلكتروني من إدارة المتحف تشكرني على الملاحظة، وتشرح لي بأدب ووضوح الأسباب العملية التي تحول دون تنفيذ هذا الاقتراح داخل المتحف.
وقتها فهمت معنى المؤسسة الحقيقية.
المؤسسة ليست فقط مبنى كبيرًا أو اسمًا عريقًا، بل عقلية تحترم الفكرة حتى لو جاءت من زائر عابر.
أقول ذلك لأنني، ومنذ أيام قليلة فقط، ذهبت إلى موعد رتبه صديق لي، مسبقًا مع أحد ما تنطبق عليه صفة مسئول ثقافي لمناقشته في مشروع ثقافي ما، مرتبط بالنيل.
ذهبت في الموعد المحدد، لكنه لم يحضر، ولم يصل اعتذار، ولا حتى محاولة لاحقة للاستفسار أو إعادة ترتيب اللقاء.
والسؤال هنا ليس متعلقًا بي شخصيًا.
أنا وصلت إلى هذا الموعد عبر ترتيب مسبق، ومع ذلك لم يكتمل الحد الأدنى من التفاعل المهني أو الثقافي المتوقع.
فإذا كان هذا قد حدث معي، فماذا يمكن أن يحدث مع شاب موهوب من شباب مصر في المحافظات أو الأقاليم، يحمل فكرة جادة أو مشروعًا يستحق النظر، لكنه لا يملك أصلًا علاقات أو وسطاء يفتحون له الأبواب؟
وكيف يمكن لمثقف أو فنان، يعمل في مجال يفترض أنه معني بالإبداع واكتشاف الأفكار الجديدة أن يتعامل بخفة مع فرصة للاستماع؟
وكيف يمكن لمؤسسة ثقافية أن تتحدث عن دعم المبدعين، بينما تظل أول خطوة في دعمهم، وهي مجرد الإصغاء، غير مضمونة أصلًا؟
المسألة هنا ليست موعدًا فائتًا، بل فلسفة عمل.
لأن المؤسسات الثقافية لا تُقاس فقط بعدد الفعاليات أو البيانات، بل أيضًا بقدرتها على الإنصات الجاد للأفكار والمبادرات، خصوصًا حين تتعلق بقضايا وطنية كبرى بحجم النيل.
لا أذكر هذه الواقعة من باب العتاب الشخصي، ولا بحثًا عن إنصاف فردي، -فقد رأيت الكثير في مسيرتي الصحفية والإعلامية والإبداعية المتواضعة منها مثلا أن السير د.مجدي يعقوب اعتذر لي مرة لأنه تأخر عن موعده 3 دقائق وحتى هذه اللحظة ما زلت منبهرًا ومتجاوزًا ما دون “السير”- إنما ذكرت ذلك، لأنني أعتقد أن جزءًا من تجديد دور وزارة الثقافة يبدأ أحيانًا من تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها كاشفة.
ربما تحتاج الوزارة اليوم، بقدر حاجتها إلى صوت جديد، إلى أذن جديدة واعية.
أحمد خالد
اقرأ أيضاًأبرزها «أسوان – برنيس».. مدبولي يتابع مع الوزير الموقف التنفيذي لعدد من مشروعات الطرق
