مقالات

حين نستورد أمننا.. من يحرس المعنى؟ – الأسبوع

لم يعد استيراد السلع هو المشكلة، بل استيراد المفاهيم ذاتها، وعلى رأسها مفهوم الأمن. فبدل أن يكون الأمن نتاجًا طبيعيًا لبيئة المجتمع وثقافته وتاريخه، صار في كثير من دولنا العربية منتجًا مستوردًا، يُنقل كما هو، دون تفكيك أو مساءلة أو مواءمة.

المفارقة المؤلمة أننا نمتلك من المقومات ما يجعلنا قادرين على إنتاج نموذج أمني متكامل: لغة واحدة توحّد الوجدان، دين يشكّل منظومة قيم أخلاقية، جغرافيا مترابطة، وتاريخ طويل من بناء الدول وإدارة المجتمعات. ومع ذلك، نُصرّ على استيراد أدوات الحماية، بل وأحيانًا فلسفتها، من بيئات تختلف عنا جذريًا في النشأة والتكوين.

الأمن ليس مجرد كاميرات مراقبة، ولا أنظمة رقمية متطورة، ولا عقود مع شركات عابرة للحدود.الأمن في جوهره علاقة ثقة بين الدولة والمجتمع، بين القانون والضمير، بين السلطة والإنسان. وهذه العلاقة لا يمكن استيرادها جاهزة، لأنها تنشأ من داخل المجتمع نفسه، من ثقافته وقيمه وطبيعة تفاعلاته.

حين نستورد نموذجًا أمنيًا من الخارج، فإننا غالبًا نستورد معه مشكلاته. فالدول التي طوّرت هذه النماذج فعلت ذلك استجابة لتحديات خاصة بها: مجتمعات متعددة الأعراق، أزمات ثقة تاريخية، أو تهديدات داخلية معقدة. لكننا ننقل الحل دون أن نمتلك المشكلة نفسها، أو دون أن نفهم جذورها، فنخلق فجوة بين الأداة والواقع.

الأخطر من ذلك أن هذا الاستيراد لا يتوقف عند التكنولوجيا، بل يمتد إلى “عقل الأمن” نفسه: كيف نفكر؟ من نخاف؟ وكيف نُعرّف التهديد؟ وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، لأننا نتحول من منتجين للرؤية إلى مستهلكين لها، ومن فاعلين إلى مقلدين.

في المقابل، التاريخ العربي والإسلامي يقدّم نماذج مختلفة للأمن، لم تكن قائمة فقط على الردع، بل على العدالة والتكافل والانتماء. كانت المدينة تُحرس بقيم أهلها قبل أسوارها، وكان الاستقرار نتيجة توازن اجتماعي، لا مجرد سيطرة أمنية.

هذا لا يعني رفض الاستفادة من تجارب الآخرين، بل العكس، فالعالم اليوم متداخل، والتكنولوجيا الأمنية تتطور بسرعة هائلة. لكن الفارق بين الاستفادة والاستنساخ هو الوعي. أن نأخذ ما يناسبنا، ونُعيد صياغته وفق احتياجاتنا، لا أن نذوب فيه.

لدينا القدرة على أن نكون مصدرين، لا مستوردين. ليس فقط في الأمن، بل في الفكر والنموذج الحضاري ككل. فالعالم لا يحتاج نسخة أخرى من تجارب قائمة، بل يحتاج تجارب جديدة نابعة من خصوصيات مختلفة.

إن استيراد الأمن دون إنتاجه، يشبه بناء بيت بأحجار لا تنتمي إلى أرضه، قد يبدو متماسكًا في الظاهر، لكنه يفتقد الروح، ويظل هشًا أمام أول اختبار حقيقي.

الرهان اليوم ليس على من يملك أحدث الأنظمة، بل على من يفهم مجتمعه أكثر. فالأمن الحقيقي لا يُشترى… بل يُبنى.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب متخصص وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اقرأ أيضاًنفحات ذى الحجة.. وبشرى لمن لم يستطع أداء الفريضة

صراعات النفوذ والطاقة والتكنولوجيا تعيد تشكيل النظام الدولي/

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts