هل تفرض الحرب الإيرانية مراجعة شاملة لمفهوم الأمن العربي؟
لم تكن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل كانت اختبارًا قاسيًا لقدرة دول المنطقة على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى.
ومع كل صاروخ أُطلق وكل تحالف تشكل أو تفكك، برز سؤال قديم جديد: هل يمتلك العالم العربي رؤية استراتيجية مشتركة لمستقبله، أم أن كل دولة ما زالت أسيرة حدودها الجغرافية وحساباتها الضيقة؟
تكشف تطورات السنوات الأخيرة أن أغلب دول المنطقة تدير الأزمات بمنطق رد الفعل أكثر من إدارة المستقبل. فالمشروعات الإقليمية الكبرى التي تطرحها القوى الدولية والإقليمية تتحرك وفق خرائط ومصالح تمتد لعقود قادمة، بينما ينشغل العرب غالبًا بإطفاء الحرائق الآنية ومواجهة التحديات اليومية.
منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حاولت مصر أن تطرح تصورًا مختلفًا للأمن القومي العربي. لم تكن القاهرة تنظر إلى حدودها السياسية فقط، بل كانت ترى أن أمنها يبدأ من الخليج العربي شرقًا ويمتد إلى المغرب العربي غربًا، ومن البحر المتوسط شمالًا إلى منابع النيل والقرن الأفريقي جنوبًا. لذلك اتجهت نحو بناء تحالفات عربية وأفريقية وحركة عدم الانحياز، وسعت إلى تأسيس مشروع إقليمي يحقق قدرًا من الاستقلال عن الاستقطابات الدولية.
لكن هذا المشروع واجه مقاومة شديدة من قوى إقليمية ودولية رأت في صعود مصر تهديدًا لمصالحها. وجاءت هزيمة الخامس من يونيو 1967 لتشكل ضربة قاصمة لذلك التصور الاستراتيجي. لم تكن النكسة مجرد خسارة أراضٍ، بل كانت أيضًا انكسارًا لمشروع سياسي وجيوسياسي كان يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ورغم أن مصر استعادت زمام المبادرة لاحقًا عبر حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973، فإن البيئة العربية نفسها كانت قد بدأت تتغير. فبدلًا من التفكير في منظومة أمن جماعي، اتجهت كل دولة إلى بناء منظومتها الخاصة، وأصبح مفهوم الأمن القومي العربي يتراجع لصالح حسابات قطرية ضيقة.
اليوم، وبعد الحرب الإيرانية وما رافقها من تحولات عسكرية وسياسية، تبدو المنطقة أمام منعطف تاريخي جديد.فإيران، رغم ما تعرضت له من ضغوط وضربات، أثبتت أن امتلاك رؤية استراتيجية ممتدة لعقود يمنح الدول قدرة أكبر على الصمود والمناورة. وإسرائيل بدورها لا تتحرك وفق حسابات انتخابية فقط، بل وفق تصور جغرافي وأمني طويل الأمد يربط بين القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها.
في المقابل، يفتقد العالم العربي حتى الآن إلى مؤسسة استراتيجية جامعة قادرة على قراءة المستقبل. فالتحديات التي تواجه المنطقة لم تعد محلية أو منفصلة، فالأمن المائي يرتبط بالسياسة الدولية، وأمن الطاقة يرتبط بالممرات البحرية، والتحولات الديموغرافية ترتبط بالاقتصاد والهجرة والتغير المناخي. وهي ملفات تتجاوز قدرة أي دولة منفردة مهما بلغت إمكاناتها.
جغرافيًا، تقع المنطقة العربية في قلب العالم، وتتحكم في أهم الممرات البحرية من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس. كما تمتلك أكبر احتياطيات الطاقة التقليدية وموقعًا استراتيجيًا يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. لكن هذه المزايا نفسها تحولت إلى مصدر تنافس وصراع بسبب غياب مشروع عربي جامع يحول الجغرافيا إلى قوة سياسية واقتصادية.
السؤال الذي تفرضه المرحلة المقبلة ليس من انتصر ومن خسر في الحرب الأخيرة، بل ماذا تعلم العرب منها؟ وهل يمكن أن تدفع هذه التحولات إلى إعادة إحياء فكرة الرؤية الاستراتيجية المشتركة؟ أم أن المنطقة ستظل ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية بينما يكتفي العرب بمراقبة النتائج؟
إن ما بعد الحرب الإيرانية قد يكون فرصة نادرة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي العربي بصيغته الحديثة، أمن يقوم على المصالح المشتركة لا الشعارات، وعلى الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة بقدر ما يقوم على القوة العسكرية. فالتاريخ يؤكد أن الأمم التي لا تمتلك رؤية للمستقبل تصبح جزءًا من رؤية الآخرين.
وربما تكون أخطر حقيقة كشفتها حروب الشرق الأوسط المتعاقبة أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغًا طويلًا، فسرعان ما تملؤه قوى أخرى أكثر تنظيمًا وأبعد نظرًا. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي ليس كسب معركة عسكرية عابرة، بل امتلاك مشروع حضاري واستراتيجي قادر على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والموارد إلى قوة، والتاريخ إلى مستقبل.. .، ، !!
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.، ، !!
