محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية
إذا كان الصحفي أو الباحث في الماضي ينتظر وثيقة أو خطابًا رسميًا ليبني عليه تحليله، فإن الأمر مع دونالد ترامب أصبح مختلفًا تمامًا. فربما يكتب الكاتب مقالًا في الصباح، ثم يكتشف في المساء أن ترامب غيّر موقفه بتصريح جديد أو منشور على منصته أو خطاب مرتجل أمام أنصاره. ولأول مرة، يجد الباحث نفسه عاجزًا عن بناء رؤية مستقرة اعتمادًا على تصريحات رئيس أمريكي، لأن تصريحاته قد تتبدل خلال ساعات، وكأن السياسة الخارجية أصبحت نشرة جوية تتغير كلما هبت رياح جديدة.
هذا ليس مجرد أسلوب شخصي، بل أصبح جزءًا من أدوات التفاوض الأمريكية. فالغموض المقصود، وتبديل المواقف، ورفع سقف التهديد ثم خفضه، كلها وسائل لإرباك الخصوم والحلفاء معًا، حتى بات من الصعب التمييز بين ما هو موقف استراتيجي وما هو مجرد ورقة تفاوضية.
لذلك، فإن حديث ترامب عن مفاوضات “ودية وعميقة جدًا” مع إيران لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية، بل باعتباره حلقة جديدة في استراتيجية تقوم على الجمع بين القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والانفتاح الدبلوماسي في الوقت نفسه.
فالولايات المتحدة لم تتخل عن أدوات الضغط، إذ لا تزال العقوبات قائمة، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج مستمر، كما أن تشديد الرقابة البحرية يبعث برسالة واضحة مفادها أن واشنطن تتفاوض وهي تمسك بأوراق القوة كافة، وليس من موقع تقديم التنازلات.
سياسة ترامب تقوم على صناعة الأزمات ثم تقديم نفسه باعتباره صانع الحلول. يبدأ بالتصعيد، ثم يفتح باب الحوار، ثم يعود إلى التهديد إذا تعثرت المفاوضات. إنها سياسة تجعل المنطقة تعيش في حالة من عدم اليقين، وتضع جميع الأطراف أمام معادلة معقدة، حيث يصبح السلام المؤقت جزءًا من إدارة الصراع وليس نهايته.
أما إيران، فتتعامل مع هذه التصريحات بحذر شديد.فهي تدرك أن أي مفاوضات لن تكون سهلة، وأن واشنطن تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والأمنية، بينما تتمسك طهران بحقها في برنامجها النووي السلمي وفق ما تعلنه، وترفض تقديم تنازلات مجانية تحت وطأة الضغوط.
وفي الوقت نفسه، تتابع القوى الدولية، وفي مقدمتها الصين وروسيا، هذا المشهد عن كثب. فاستقرار الخليج لا يتعلق بإيران والولايات المتحدة وحدهما، بل يرتبط بأمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد والتوازنات الجيوسياسية، وهو ما يمنح هذا الملف أبعادًا تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
إن أخطر ما في سياسة ترامب ليس التصعيد وحده، وإنما تحويل السياسة الخارجية إلى مواقف متغيرة يصعب التنبؤ بها. وهذا يفرض على الباحثين ووسائل الإعلام ألا ينجرفوا وراء كل تصريح باعتباره حقيقة نهائية، بل أن يقرأوا المشهد من خلال الاستراتيجية الأمريكية العامة، لا من خلال العناوين اليومية.
فالسياسات الكبرى لا تُقاس بخطاب انتخابي أو تصريح عابر، وإنما تُقاس بحركة الأساطيل، وشبكة التحالفات، والقرارات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، ومسار المفاوضات الفعلي. أما التصريحات، فقد تكون في كثير من الأحيان جزءًا من معركة نفسية وإعلامية هدفها تحسين شروط التفاوض.
من هنا، فإن ما يجري اليوم ليس انتقالًا من الحرب إلى السلام، بل انتقال من مرحلة ضغط إلى مرحلة تفاوض، مع بقاء جميع خيارات التصعيد مطروحة إذا فشلت المباحثات. ولهذا، فإن المنطقة لا تزال تقف على حافة توازن هش، قد يدفعها أي خطأ في الحسابات إلى مواجهة جديدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يسعى ترامب إلى تسوية تاريخية، أم إلى صفقة مؤقتة تمنحه مكسبًا سياسيًا وإعلاميًا؟ الإجابة لن تصنعها تصريحاته المتقلبة، بل ستحددها الوقائع على الأرض، لأن التاريخ يكتب بالأفعال لا بالتغريدات، وبالنتائج لا بالعناوين. (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية).
اقرأ أيضاًإيران وصفقة F-35.. ملفات ملتهبة قد تكشف عمق الخلاف بين ترامب ونتنياهو
ترامب: أعتقد أن الإيرانيين يريدون التوصل لصفقة ولن أعطي وقتا طويلا للمفاوضات
