جمهورية التريند.. حين يتحول الهاتف إلى شهادة زعامة!! – الأسبوع

جمهورية التريند.. حين يتحول الهاتف إلى شهادة زعامة!! – الأسبوع

في زمن مضى، كانت القرية تعرف كبيرها من حكمته، وتحترم المثقف لأنه صاحب عقل وتجربة، وتمنح الوجاهة لمن أفنى عمره في خدمة الناس أو في طلب العلم، أما اليوم فقد انقلب المشهد رأسًا على عقب، وأصبح معيار الزعامة في كثير من المجتمعات الشعبية والريفية هو عدد المتابعين، وعدد “اللايكات”، وطول البث المباشر، وقدرة الشخص على الإمساك بالهاتف أكثر من قدرته على الإمساك بجملة مفيدة.

لقد دخلنا عصر “جمهورية التريند”، حيث اختلطت الأصوات، وسقطت المعايير، وتحول بعض أنصاف المتعلمين إلى نجوم مجتمع بين ليلة وضحاها، فقط لأنهم اكتشفوا أن الطريق إلى الشهرة لم يعد يمر عبر الثقافة أو الاجتهاد أو الفكر، بل عبر الكاميرا الأمامية للهاتف المحمول.

في المجتمعات الشعبية تحديدًا، تظهر دائمًا طبقة تبحث عن دور اجتماعي بأي وسيلة، قديمًا كانوا يجلسون على المقاهي يتابعون أخبار الناس، ثم وجدوا لأنفسهم أبوابًا جديدة: جمعية خيرية هنا، لجنة عرفية هناك، صورة بجوار نائب في موسم الانتخابات، أو فيديو مع مسؤول محلي يبحث هو الآخر عن من يصفق له، وهكذا تتكون “النخبة الجديدة”، نخبة لا تملك مشروعًا فكريًا، لكنها تمتلك هاتفًا مشحونًا وباقة إنترنت مفتوحة.

المفارقة الساخرة أن بعض هؤلاء يحملون شهادات جامعية، لكنهم لم يحملوا يومًا مشروع وعي حقيقي، فالجامعة عند البعض أصبحت مجرد ورقة تعلق على الحائط، بينما العقل معلق خارج الخدمة، ولذلك ترى خريجًا جامعيًا يقضي يومه في مطاردة جنازة ليصور البكاء، أو حفل زفاف ليصور الرقص، ثم يكتب تحت الفيديو: “تغطية إعلامية حصرية”، وكأن الإعلام تحول من رسالة تنقل الحقيقة إلى “ميكروفون أفراح ومآتم”.

أخطر ما في الظاهرة ليس الجهل وحده، بل تسويق الجهل باعتباره نجاحًا اجتماعيًا، فصاحب الكاميرا الذي لا يستطيع تركيب جملة صحيحة، يتحول فجأة إلى “إعلامي كبير”، والشخصية السطحية التي لا تملك سوى استعراض الملابس والكلام الفارغ، تصبح “قدوة”، فقط لأنها ظهرت في بث مباشر وحولها عشرات التعليقات من نوع: “نورت الدنيا يا نجم”.

لقد أصبحت السطحية صناعة كاملة، هناك من يصنع التريند، وهناك من يعبد التريند، وهناك من يقتات على فتات التريند، حتى الكوارث الإنسانية لم تعد تسلم من هذا السوق المفتوح، فالبعض يذهب إلى عزاء لا ليواسي أهل الميت، بل ليأخذ “لقطة حزينة”، وآخر يدخل مستشفى ليصور المرضى وكأنه مراسل حربي في جبهة قتال، وثالث يقف أمام حادث طريق ليقدم وصلة من الصراخ والتهويل من أجل زيادة المشاهدات.

إنه نوع جديد من التسول، لكنه ليس تسولًا باليد، بل تسول إلكتروني يرتدي بدلة الإعلام والشهرة، تسول يبحث عن الإعجاب السريع ولو على حساب الذوق أو الخصوصية أو الكرامة الإنسانية.

والكارثة الأكبر أن هذا المناخ خلق أجيالًا تظن أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو موهبة أو أخلاق، بل يحتاج فقط إلى كاميرا، وبعض الضوضاء، وقليل من الوقاحة، ولذلك لم يعد غريبًا أن تجد طفلًا يقول إنه يريد أن يصبح “بلوجر” قبل أن يتعلم القراءة، أو شابًا يعتقد أن الصراخ أمام الكاميرا هو قمة التأثير الثقافي.

في الماضي كان المثقف يختبئ من السلطة، أما اليوم فالمثقف الحقيقي يختبئ من “الترند”، لأن الضجيج أصبح أعلى من الفكر، والرداءة أسرع انتشارًا من القيمة، والناس أصبحت تميل لمن يضحكها خمس دقائق أكثر ممن يوقظ عقلها خمس سنوات.

نحن لا نعيش فقط أزمة إعلام، بل أزمة ذوق عام، وأزمة معايير، وأزمة مجتمع أصبح فيه صاحب الحكمة غريبًا، بينما يتحول التافه إلى نجم جماهيري، حتى اللغة نفسها تعرضت للاغتيال، فالشتيمة أصبحت “جرأة”، والابتذال أصبح “عفوية”، والجهل أصبح “بساطة ابن بلد”.

ولأن الفوضى لا تنتج إلا مزيدًا من الفوضى، أصبح من الضروري إعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية المجتمعية في الإعلام الرقمي. فالحرية لا تعني تحويل المجتمع إلى سيرك إلكتروني مفتوح، ولا تعني أن يصبح كل من يحمل هاتفًا مشروع إعلامي متنقلًا.

ربما نحتاج فعلًا إلى إعادة إحياء مفهوم “قانون العيب” بمعناه الأخلاقي والمجتمعي، لا كأداة قمع للرأي، بل كحائط يحمي المجتمع من الانحدار الكامل إلى مستنقع الرداءة، لأن المجتمعات لا تسقط فقط بالحروب أو الفقر، بل قد تسقط أيضًا حين يصبح التافه معلمًا، والمهرج قدوة، والضجيج بديلًا عن الفكر.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس غياب التكنولوجيا، بل غياب العقل وسط زحام التكنولوجيا، فالهاتف الذكي لا يصنع إنسانًا ذكيًا، والكاميرا لا تصنع إعلاميًا، وعدد المتابعين لا يصنع قيمة حقيقية.

وفي النهاية، يبدو أننا نعيش عصرًا يستطيع فيه أي شخص أن يبث صورته للعالم كله، لكنه لا يستطيع أن يبث فكرة واحدة تستحق الاحترام.، !!

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية!!

Exit mobile version