في مثل هذا اليوم، الخامس من يونيو عام 1967، لم تكن الهزيمة مجرد خبر عاجل يذاع عبر أجهزة الراديو، ولم تكن الحرب أرقامًا وخطوطًا على خرائط القادة العسكريين. كانت جرحًا مفتوحًا في قلب كل بيت مصري، وصدمة هزّت وجدان أمة كاملة.
كانت قريتنا الصغيرة، المتاخمة لأراضي القاعدة الجوية بالمنصورة، شاهدة على واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ مصر الحديث. ففي الساعات الأولى من ذلك الصباح المشؤوم، دوّت أصوات الانفجارات في السماء، وارتجفت الأرض تحت أقدام الناس. تصاعدت أعمدة الدخان السوداء، واختلط هدير الطائرات بأصوات الفزع والدعاء.
لم يكن أهل القرية يملكون سلاحًا ولا تدريبًا عسكريًا، لكنهم كانوا يملكون شيئًا أعظم: الإحساس بأن المصيبة مصيبتهم، وأن الوطن بيتهم الكبير الذي يتعرض للخطر.
ما إن انتهى القصف حتى هبّ رجال القرية وشبابها من كل بيت وزقاق. ترك الفلاح محراثه، وترك العامل عمله، وخرج الجميع يحملون الفؤوس والمقاطف والجواريف. بعضهم امتطى حماره مسرعًا نحو مواقع الدمار، وآخرون ساروا على الأقدام وسط الغبار والدخان، لا يسألون عن الخوف ولا عن الخطر.
كان المشهد أقرب إلى لوحة من البطولة الشعبية الخالصة. رجال بسطاء بملابس العمل الريفية، ووجوه أنهكتها الشمس، لكن عيونهم كانت تفيض عزيمة وإصرارًا. كانوا يتسابقون لردم الحفر التي خلفتها القنابل، وإزالة آثار الدمار، وكأنهم يخوضون معركة من نوع آخر، معركة الصمود في وجه الانكسار.
وفي مقدمة هؤلاء الرجال وقف نائب مجلس الأمة المهندس الراحل خالد حماد، يقود أبناء القرية بنفسه، لا يميز نفسه عن أحد، ولا يكتفي بإصدار التعليمات من بعيد.كان بينهم، يحمل همومهم ويشاركهم الجهد والعرق، مؤمنًا بأن ساعة الشدائد لا تعرف الفوارق بين الناس.
في ذلك الزمن، لم تكن القرية تعرف العصبيات والانقسامات التي نراها اليوم. لم يكن الناس يسألون عن الانتماءات أو المصالح أو الخلافات الصغيرة. كانت القرية كلها قلبًا واحدًا ويدًا واحدة. إذا تألم فرد، شعر الجميع بألمه، وإذا نزلت مصيبة بالوطن، هبّ الجميع للدفاع عنه بما يملكون.
كانت مصر يومها جريحة، لكن جراحها لم تكن تخص الجنود وحدهم، بل مست كل بيت وكل أسرة وكل قرية. كانت الهزيمة تمس نسيج المجتمع كله، وتختبر معدن الناس الحقيقي. وفي تلك اللحظات العصيبة، أثبت المصريون أن قوة الوطن لا تقاس فقط بما يملكه من سلاح، بل بما يحمله أبناؤه من تماسك وإيمان وانتماء.
ولم يتوقف عطاء قرية تلبانة عند تلك الأيام العصيبة من يونيو 1967، بل واصلت أداء دورها الوطني خلال سنوات الاستنزاف وحتى حرب أكتوبر 1973. فقد ظلت بحكم موقعها القريب من القاعدة الجوية بالمنصورة جزءًا من مشهد الصمود والتحدي، وشارك أبناؤها في دعم المجهود الوطني، بينما خرج من بين بيوتها جنود وضباط حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الأرض والكرامة. وهكذا ارتبط اسم القرية في ذاكرة أبنائها بمرحلتين فارقتين من تاريخ الوطن، مرارة النكسة في يونيو، وفرحة العبور والانتصار في أكتوبر.
تمر السنوات، ويرحل الرجال الذين صنعوا تلك المواقف النبيلة، لكن تبقى الذكرى حية في الوجدان. تبقى صور الفلاحين وهم يندفعون نحو مواقع القصف بفؤوسهم ومقاطفهم وحميرهم البسيطة، أكبر من مجرد حكاية من الماضي، إنها شهادة على زمن كانت فيه مصر، رغم الجراح، أكثر تماسكًا ووحدة وقدرة على مواجهة المحن.
رحم الله من رحلوا، وحفظ لمصر ذاكرتها الوطنية التي صنعتها تضحيات البسطاء قبل أن تكتبها كتب التاريخ.
لبنان بين فكيّ التفاوض والحرب.. ماذا تريد إسرائيل حقًا؟محمد سعد عبد اللطيف
قمة بكين.. هل ذهب ترامب لإطفاء الحرائق أم لإعادة ترتيب الحرب الكبرى؟









