من أكثر العبارات شيوعًا عند استحضار هزيمة يونيو 1967 القول إن أحدًا لم يُحاسَب على ما جرى، وإن المسؤولين عن تلك الكارثة خرجوا من المشهد سالمين دون أن يدفعوا ثمنًا سياسيًا أو شخصيًا. غير أن الوقائع التاريخية وحدها تكفي لنسف هذه المقولة من أساسها وإثبات بطلانها بالكامل، إذ قلّما شهدت دولة حديثة انهيارًا شبه كامل للطبقة السياسية والعسكرية التي كانت تدير البلاد لحظة وقوع الهزيمة، كما حدث في مصر بعد يونيو 1967.
فبعد أيام قليلة من بداية الحرب، خرج الرئيس جمال عبد الناصر إلى الشعب في خطابه الشهير يوم 9 يونيو 1967، معلنًا تحمله المسؤولية الكاملة عما جرى. ولم يكن ذلك مجرد موقف عابر فرضته لحظة الانكسار، بل تواصل في خطاباته اللاحقة وفي محاضر اجتماعاته العلنية والسرية التي تضمنت نقدًا صريحًا وقاسيًا لأوجه القصور التي قادت إلى الهزيمة، وهي وثائق منشورة ومتاحة للباحثين والمؤرخين.
وفي السنوات الثلاث التالية، انخرط عبد الناصر في عملية شاقة لإعادة بناء القوات المسلحة وإعادة تنظيم مؤسساتها تحت ضغوط هائلة وظروف بالغة القسوة، مما فاقم من سوء حالته الصحية، وتسبب في رحيله في 28 سبتمبر 1970 عن عمر اثنين وخمسين عامًا فقط. ورغم أن وفاته سُجِّلت رسميًا باعتبارها وفاة طبيعية، فإن الجدل لم يتوقف لدى بعض الباحثين والكتاب الذين طرحوا فرضية تعرضه للاغتيال بالسم.
أما المشير عبد الحكيم عامر، الرجل الثاني في الدولة والقائد العام للقوات المسلحة وقت الحرب، فقد شهد سقوطًا مدويًا عقب الهزيمة، إذ جُرِّد من مناصبه كافة، وأُبعد نهائيًا عن مواقع النفوذ والسلطة، ثم توفي في سبتمبر 1967 قبل أن يبلغ الثامنة والأربعين من عمره. وجرت مراسم دفنه بعيدًا عن الأضواء في مشهد عكس بوضوح حجم التحول الذي أصاب أحد أقوى رجال الدولة خلال أشهر معدودة.
وفي المجال الأمني، لم تكن الصورة مختلفة، فقد أُقيل صلاح نصر من رئاسة المخابرات العامة، ثم مَثُل أمام القضاء في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «قضية انحراف المخابرات»، وصدر ضده حكم بالسجن، ليغيب عن دوائر النفوذ حتى أُفرج عنه في عهد الرئيس أنور السادات.
كما أُبعد شمس بدران من موقعه كوزير للحربية، وأُحيل إلى المحاكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن، لتنتهي مسيرته السياسية والعسكرية بصورة كاملة بعد أن كان واحدًا من أكثر رجال النظام نفوذًا قبل الحرب.
ولم تقتصر الإجراءات على تلك الأسماء البارزة، بل امتدت إلى عدد كبير من القيادات العسكرية التي ارتبطت بإدارة المعركة، فقد شهدت السنوات التالية للهزيمة سلسلة من التحقيقات والمحاكمات العسكرية التي طالت عددًا من كبار القادة والمسؤولين، وانتهت بعزل كثير منهم وإبعادهم عن مواقع القيادة.
وفي الحقيقة، فإن المؤسسة العسكرية المصرية شهدت عملية إحلال شبه كاملة لقياداتها العليا، فالقيادات التي أدارت حرب يونيو 1967 خرجت من المشهد تقريبًا، وحلت محلها قيادات جديدة تولت مهمة إعادة بناء الجيش وإعداده لمعركة استرداد الأرض والكرامة. وكانت ثمرة تلك العملية ظهور جيش جديد خاض حرب الاستنزاف بين عامي 1967 و1970، ثم عبر وانتصر في حرب أكتوبر 1973.
غير أن رحلة السقوط لم تتوقف عند سنوات عبد الناصر الأخيرة، فبعد رحيله بأقل من عام، انفجر الصراع في قمة النظام بين الرئيس أنور السادات ورجال عبد الناصر، وفي مايو 1971 نجح السادات في حسم المواجهة لصالحه فيما عُرف بـ«انقلاب مايو».
وعلى إثر ذلك، اعتُقل عدد كبير من أبرز رجال عهد عبد الناصر، ومن بينهم علي صبري، وشعراوي جمعة، وسامي شرف، والفريق أول محمد فوزي، وغيرهم من كبار المسؤولين، ووجهت إليهم اتهامات بمحاولة الانقلاب على السادات. وقد قضى بعضهم سنوات طويلة خلف القضبان، وصلت في بعض الحالات إلى عقد كامل.
بل إن الفريق أول محمد صادق، الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية أثناء النكسة، ثم تولى رئاسة الأركان في سبتمبر 1969، وكان أحد الأسباب الرئيسة لنجاح السادات خلال أحداث مايو 1971، لم ينجُ هو الآخر من مصير الإبعاد.فبعد أن عيّنه السادات وزيرًا للحربية خلفًا للفريق أول محمد فوزي، لم يستمر في منصبه سوى عام وخمسة أشهر تقريبًا، قبل أن يطيح به السادات ويشن عليه حملة سياسية وإعلامية قاسية.
وعندما ننظر إلى المشهد كاملًا، يصعب العثور على شخصية كانت في قمة السلطة المصرية يوم الخامس من يونيو 1967 ولم تدفع ثمنًا باهظًا لما حدث.
وتكشف المقارنة بين مصر وسوريا والأردن دلالةً سياسية بالغة الأهمية، تتعلق بكيفية انعكاس الهزيمة على بنية السلطة في كل دولة. فقد خاضت الدول الثلاث حرب يونيو 1967 وتعرضت لهزيمة عسكرية قاسية ترتب عليها فقدان أراضٍ استراتيجية: سيناء لمصر، والجولان لسوريا، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية للأردن. غير أن اختلافًا جوهريًا برز في مستوى التعامل الداخلي مع نتائج الهزيمة داخل كل نظام سياسي.
في مصر، كانت هزيمة يونيو زلزالًا مدويًا لم تتوقف ارتداداته عند ساحات القتال، بل امتدت إلى قلب الدولة نفسها، فهزّت أركان السلطة، وأزالت في شهور مراكز نفوذ استغرق بناؤها أعوامًا. وما إن انقشع غبار الهزيمة حتى كان قد ترك وراءه مشهدًا مختلفًا تمامًا، اختفت منه وجوه كانت تتصدر الحياة السياسية والعسكرية، وتبددت معه أحلام ومشروعات ظن أصحابها أنها راسخة لا تهتز.
في المقابل، لم تشهد سوريا أو الأردن تغييرات مماثلة على مستوى القمة الحاكمة، إذ بقيت البُنى القيادية الأساسية في مواقعها دون إعادة هيكلة جوهرية تعكس حجم الهزيمة.
وعليه، فإن القول إن أحدًا لم يُحاسَب على هزيمة 1967 يتجاهل هذا التباين الجوهري في طبيعة الاستجابة السياسية داخل الدول العربية الثلاث، حيث كانت مصر وحدها التي تحولت فيها الهزيمة إلى إعادة صياغة فعلية لمواقع السلطة داخل الدولة.
