قبل 2400 سنة، كتب الفيلسوف اليوناني «أفلاطون» في كتابه «الجمهورية»، أسطورة «الكهف» صور فيها البشر وكأنهم «سجناء» أسرى لظلال يظنون أنها الحقيقة، بينما الواقع الحقيقي موجود خارج الكهف، وهي فكرة تشبه ما نعيشه اليوم في بالونة «العالم الافتراضي»، أو «الكهف الرقمي» الذي بات البشر سجناء بداخله، يتعاملون مع «صور» و«مقاطع مزيفة» باعتبارها حقائق يقينية لا تقبل الشك.
«الكذبة يمكنها أن تسافر نصف العالم، بينما الحقيقة لا تزال ترتدي حذاءها»، مقولة منسوبة للكاتب الأمريكي «مارك توين»، في الوقت الذي تنفي الفيلسوفة الإنجليزية «هانا آرنت» أن يكون الهدف من الدعاية «إقناع الناس بفكرة معينة»، بل «تدمير قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والكذب»، هكذا نعيش في واقع مرتبك، خفت فيه صوت الحقيقة، وعلا صياح الأكاذيب، وانتشر، في زمن “الخداع العالمي” على حد وصف الكاتب الإنجليزي جورج أورويل، دون أن يقتصر هذا الخداع على مكان بعينه، بعد أن تحول العالم إلى “شاشة صغيرة” لا تتجاوز بضع بوصات، أفقدتنا الثقة في «أم أعيننا»، من فرط تقنيات الخداع.
الكارثة، أن التقنيات الحديثة لم تعد صانعة جمال ومؤثرات بصرية مبهرة، بل أصبحت تلتهم القاعدة الأشهر في معرفة الحقيقة، قاعدة «أنا شفت بعيني»، فالصورة ليست كما تبدو، ولم تعد دليلًا دامغًا، والثقة نفسها لم تعد مصطلحًا موثوقًا به، في عالم مبني على فكرة الخديعة، وخلط الحقيقة بالفبركة، بمهارة فائقة، عالم لا يخجل من ظلاميته، ولا يغلق أبواب الشبهات، بل يتباهى علنًا، بثورة تكنولوجية ملطخة بتقنية «التزييف العميق/ Deep Fake».
«الخطر لم يعد إخفاء الحقيقة، بل أن نصنع منها نسخة أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها»، عبارة كتبها الفيلسوف الفرنسي «بودريار» منذ أكثر من ربع قرن، ربما جاءت «نبوءة» لما يحدث لنا في عصر «الذكاء الاصطناعي»، وإذا انسحبنا من العام للخاص، واقتصر حديثنا على «أهل الفن»، سنكتشف أن معاركهم لم تعد مقصورة على «الشائعات» كما كانوا في الماضي، ولا «الأخبار الكاذبة»، و«التصريحات المجتزأة» من سياقها، ولا حتى الصفحات التي تنتحل شخصياتهم، فاليوم أصبح الفنان يواجه «خصمًا» أخطر وأشرس، خصمًا يستطيع أن يسرق وجهه وصوته وحركاته، ثم يطلقه إلى ملايين «المستخدمين»، وكأنه “النسخة الأصلية” تمامًا.
في زمن مضى، كان المحتال يحتاج إلى «قناع»، والكذاب تلزمه «مهارات خاصة»، أما الآن، فيكفي «تنزيل تطبيق» على هاتف ذكي، يمكنه بضغطة زر تحويل أي فنان إلى «بطل إعلان وهمي»، أو «مندوب مبيعات» يروج لمنتجات لم يرها، أو داعم لمشروع استثماري لم يسمع عنه، وتمتلئ الشاشات بتصريحات له «صوت وصورة»، رغم أنه لم ينطق بها أبدًا، وبينما يصفق العالم لإنجازات الذكاء الاصطناعي «AI»، وقدراته المذهلة، يجد عدد من الفنانين أنفسهم يدفعون فواتير جانب مظلم من ثورة التقنية، دون ذنب اقترفوه، اللهم إلا شهرتهم وحدها!
في الآونة الأخيرة، انتشرت على السوشيال ميديا، عشرات من مقاطع الفيديو “الممولة”، كإعلانات استخدمت صور وأصوات فنانين وإعلاميين مصريين وعرب، للترويج لاستثمارات “مشبوهة”، ومنتجات طبية مجهولة المصدر، وتدشين حملات تبرعات لمؤسسات وهمية، اعتمدت هذه المقاطع على تقنية “التزييف العميق” بإعادة تركيب ملامح الوجه ونبرة الصوت، بشكل خادع لغير المتخصصين في عالم التقنيات.
واضطر عدد من الفنانين (ضحايا الذكاء الاصطناعي)، للظهور عبر حساباتهم الرسمية، والصراخ بتعرضهم لحملات نصب وفبركة صور لهم للدعاية لمنتجات لا علاقة لهم بها، وكان آخرهم الفنان محمد رمضان، والإعلامي المصري عمرو الليثي، والإماراتي أنس بوخش، والداعية مصطفى حسني، ومن قبلهم الفنانات إسعاد يونس وهالة صدقي، وآخرون.
«البيّنة على من ادّعى».. قاعدة قانونية انقلبت موازينها في عصر «التزييف العميق»، فالنجم وجد نفسه مضطرًا للدفاع وإثبات أنه «ليس هو من ظهر في الفيديوهات المفبركة»، وكأنه يقنع الناس قائلًا: «أنا مش أنا»، في محاولة مستميتة لاستعادة الثقة مع جمهوره، فالثقة تحولت إلى “رأسمال مجاني” يسرقه مجهولون لتحقيق أرباح مشبوهة، ويزداد الأمر خطورة بسرعة «تداول المحتوى»، وانتشار الفيديوهات، وخاصة «الريلز»، أو “المقاطع القصيرة” ويزداد انتشارها كلما زادت شهرة الفنان.
وهكذا أصبح الفنان يخوض معارك ضارية ضد أشباح إلكترونية غير مرئية، ترتدي وجهه وتتحدث بصوته وتقتات على شهرته، وكلما اشتعلت ثورة التكنولوجيا أكثر، ثار السؤال الوجودي: هل سنستطيع التفرقة بين الإنسان الحقيقي وصورته المصنوعة رقميًا، أم أننا دخلنا بالفعل عصر «النسخ الرقمية المزيفة»؟
منذ أيام، دعت نقابة الممثلين في هوليوود، الكونجرس، لحماية الهوية الرقمية للفنانين، وسرعة إصدار قانون رادع يحمل عنوان “No Fake Act”، وكانت دائرة الجدل قد اشتعلت مؤخرًا في الولايات المتحدة عقب استغلال صورة وصوت الفنان العالمي «توم هانكس» في إعلان مفبرك، وشكوى «تايلور سويفت» من استغلال صورتها بالذكاء الاصطناعي، كما تطالب نقابة الممثلين في بلادنا بضرورة إصدار تشريع يحمي الفنانين من الانتهاكات الرقمية التي توحشت في الفترة الأخيرة.
والمفارقة أن الفنان الذي كان يومًا “صانعًا للوهم الجميل” على الشاشات، أصبح ضحية لـ”وهم أكثر تطورًا” تصنعه التكنولوجيا، محاكاة تقنية بلا قلب، ولا ضوابط أخلاقية، تقدم خيالًا قادرًا على إعادة تشكيل الواقع نفسه.
مفارقة أخرى، صنيعة السوشيال ميديا، بتقديم “نسخ” مزيفة، بشرية، حيث امتلأت صفحات “منسوبة للفن” بمقاطع فيديو لأشخاص “مشابهين” لبعض ملامح أحمد العوضي، ومحمد رمضان، وعبد الباسط حمودة، والراحل سعيد صالح، وآخرين، والغريب أن عددًا منهم تجمع في أحد الأفراح الشعبية منذ أيام، وحصلوا على أجهزة “آيفون”، لكونهم “أشباهًا” للفنانين، وراحوا يقلدون حركاتهم، ولزماتهم، مرتدين “أكسسواراتهم”، وسط صيحات “الناس البسطاء” أمام “بدلاء رخيصي الثمن” يسترزقون بـ”ملامحهم” في إعلانات افتتاح كافيهات ومطاعم ومحلات كشري!!
وهكذا، خرج الدوبلير من أمام الكاميرا إلى مقدمة المشهد في الواقع، يطالب بنصيبه من الشهرة والإعلانات، و«النقطة» في الأفراح، سبوبة مكتملة الأركان، واستثمار تاريخ سابق التجهيز، ووصل الأمر بأحد أشباه الفنانين إلى الاستعانة بـ«بودي جاردات» لحمايته من الجمهور الذي جاء أساسًا ليرى شخصًا يشبه شخصًا آخر، يا لها من مفارقة في عصر «الزيف الناعم»، ووصل الأمر بـ«شبيه سعيد صالح» أن خرج علينا يقول «إنه يشعر أن روح الفنان الراحل صارت تسكنه».
وكانت أسرة العندليب الراحل عبد الحليم حافظ، قد تقدمت بشكوى ضد «صانع محتوى» على السوشيال ميديا، أطلق على نفسه لقب «العندليب الأبيض»، يرتدي «باروكة» تشبه شعر العندليب، وبعض الملابس التي اشتهر بها، ويستغل اسم «حليم» في الحفلات والمناسبات العامة، بدرجة تشوه تاريخه، بحسب وصف الأسرة.
اقرأ أيضاً«مستعدون لتصويره داخل منزله».. أسرة عبد الحليم تبدي رغبتها لإنتاج فيلم ضخم عن العندليب
ياسمين عبد العزيز تتقدم ببلاغ عاجل بسبب «صور متداولة».. ما القصة؟
بعد ياسمين عبد العزيز.. مي القاضي تفجر مفاجأة بشأن تعرضها لحملة صور مفبركة
