العالم يترقب جنيف.. هل نشهد بداية التسوية الكبرى أم مجرد هدنة مؤقتة؟ – الأسبوع

العالم يترقب جنيف.. هل نشهد بداية التسوية الكبرى أم مجرد هدنة مؤقتة؟ – الأسبوع

د. طارق هلال

ماذا لو استيقظ العالم صباح الجمعة 19 يونيو على اتفاق يغير خريطة الشرق الأوسط لسنوات قادمة؟ وماذا لو كانت الصواريخ التي شاهدناها، والتصعيد الذي تابعناه، والتهديدات التي ملأت الشاشات خلال الأسابيع الماضية، مجرد الفصل الأخير قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض؟

بين واشنطن وطهران، وبين إسرائيل وحلفاء المنطقة، وبين المصالح الدولية وأمن الطاقة العالمي، تتجه الأنظار إلى جنيف حيث قد تكتب واحدة من أهم مذكرات التفاهم في العقد الأخير. فهل نحن أمام بداية تسوية تاريخية تنهي مرحلة من التوتر والاستنزاف؟ أم أمام هدنة مؤقتة تمنح الجميع فرصة لإعادة ترتيب الأوراق قبل جولة جديدة من الصراع؟

فالأيام القادمة قد تحمل الإجابة، لكن المؤكد أن ما يحدث اليوم هو المشهد الذي كانت مؤشراته تتشكل منذ أشهر، والذي سبق أن أشرنا إليه باعتباره النهاية المنطقية لمسار التصعيد والاستنزاف في المنطقة. فقبل أسابيع قليلة كتبت أن المشهد في الشرق الأوسط لا يتجه نحو حرب شاملة بقدر ما يتجه نحو مرحلة استنزاف تنتهي عند طاولة المفاوضات، وأن التصعيد العسكري لم يكن سوى أداة لإعادة ترتيب موازين القوة قبل الوصول إلى التسوية النهائية.

واليوم، ومع ترقب العالم لاجتماع جنيف المرتقب يوم الجمعة 19 يونيو، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. والسؤال الأهم ليس لماذا جنيف؟ بل لماذا الآن؟ والإجابة تكمن في أن جميع الأطراف وصلت إلى نقطة أدركت معها أن تكلفة استمرار المواجهة أصبحت أكبر من مكاسبها.

الولايات المتحدة تريد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وإيران تريد كسر طوق العقوبات واستعادة جزء من أموالها المجمدة، وأوروبا تخشى موجة اضطرابات جديدة، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى منع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.

ولا يمكن فصل التحركات الجارية عن أجواء قمة مجموعة السبع التي انعقدت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تصدرت ملفات أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية جدول أعمال القوى الاقتصادية الكبرى. فالتصعيد في الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح قضية تمس الاقتصاد العالمي بأكمله، وهو ما يفسر حجم الضغوط الدولية الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع مفتوح يهدد حركة التجارة والطاقة العالمية.

وربما كانت الرسالة الأبرز الصادرة عن قمة الدول السبع أن العالم لم يعد يبحث عن انتصار طرف على آخر، بقدر ما يبحث عن منع انهيار الاستقرار الدولي، وهو ما يجعل جنيف تبدو وكأنها امتداد سياسي للمناقشات التي شهدتها القمة أكثر من كونها حدثًا منفصلًا عنها، ولعل من الدلالات المهمة في هذا السياق حرص قادة مجموعة السبع على توجيه الدعوة لمصر للمشاركة في المناقشات المرتبطة بالتحديات الإقليمية والدولية، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأن استقرار الشرق الأوسط لم يعد ممكناً دون الاستماع إلى الرؤية المصرية والتنسيق مع القاهرة باعتبارها أحد أهم ركائز التوازن في المنطقة.

فمصر لم تعد مجرد دولة تتأثر بما يحدث حولها، بل أصبحت طرفاً فاعلاً في صياغة العديد من مسارات الحل، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة، أو استقرار الممرات البحرية، أو جهود التهدئة الإقليمية، أو القضية الفلسطينية، وهو ما يفسر تنامي الحضور المصري في المحافل الدولية الكبرى خلال السنوات الأخيرة. فحين تبحث القوى الكبرى عن مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط، تصبح القاهرة جزءاً من الإجابة.

أما التسريبات المتداولة فتشير إلى أن صيغة مذكرة التفاهم أصبحت شبه مكتملة، وأن الاتفاق لا يمثل الحل النهائي بقدر ما يمثل إطاراً مؤقتاً لإدارة الأزمة وتهيئة المناخ للتفاوض على الملفات الأكثر تعقيداً خلال مهلة تمتد 60 يوماً.

وتتضمن البنود المتداولة عدة نقاط جوهرية أهمها وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، ورفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية بصورة تدريجية خلال ثلاثين يوماً، وعدم فرض عقوبات أمريكية جديدة خلال فترة التفاوض، والإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة، إضافة إلى تجميد أي توسع في البرنامج النووي الإيراني لحين التوصل إلى اتفاق نهائي.

أما الملف النووي نفسه، وهو جوهر الأزمة، فقد تم ترحيله إلى مرحلة المفاوضات التالية. فالمؤشرات الحالية تتحدث عن مهلة ستين يوماً للوصول إلى صيغة نهائية تتعلق بمستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية والتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب.

ومن المتوقع أن تكون هناك آلية متابعة ورقابة متعددة الأطراف تشمل القوى الكبرى والمؤسسات الدولية المعنية بالملف النووي، مع احتمالية عرض الصيغة النهائية لاحقًا على مجلس الأمن الدولي لمنحها الشرعية الدولية الكاملة.

أما فيما يتعلق بملف الأرصدة المجمدة، تشير المعلومات المتداولة إلى أن جزءاً مهماً من الأموال الإيرانية قد يتم الإفراج عنه تدريجيًا ضمن جدول زمني مرتبط بتنفيذ الالتزامات المتبادلة، وهو ما يمثل أحد أهم المكاسب الاقتصادية المنتظرة لطهران.

المثير للاهتمام أن باكستان ظهرت هذه المرة كلاعب دبلوماسي مؤثر، حيث تشير معظم التقارير إلى أنها لعبت دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، وهو ما يعكس رغبة قوى إقليمية عديدة في منع انفجار المنطقة.

أما إسرائيل، فتبدو اليوم أمام معادلة مختلفة. فالتسريبات تشير إلى أن واشنطن تسعى إلى فصل الملف الإيراني عن بعض الملفات الإقليمية الأخرى، خاصة ما يتعلق بالساحة اللبنانية وحزب الله، وهو ما قد يفسر بعض التباينات التي ظهرت مؤخراً بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية حول توقيت التصعيد وأهدافه.

وفي تقديري، فإن ما يحدث الآن لا يمثل نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والدبلوماسي. فالهدنة الحالية تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات، لكنها لا تلغي حجم الخلافات المتراكمة بين الأطراف المختلفة.

ويبقى الملف الفلسطيني حاضراً بقوة في خلفية كل التحركات الجارية، حتى وإن لم يكن بنداً معلناً على طاولة جنيف. فالحقيقة التي أثبتتها الأحداث خلال السنوات الأخيرة أن الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق ما لم تتم معالجة جذور الصراع وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

فكل محاولات إعادة ترتيب المنطقة أو بناء منظومات أمنية جديدة ستظل معرضة للاهتزاز طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل عادل وشامل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويؤسس لسلام دائم يحقق الأمن والاستقرار للجميع.

ولعل أحد الدروس التي فرضتها التطورات الأخيرة أن تجاهل القضية الفلسطينية لم يؤد إلى إنهائها، بل جعلها أكثر حضوراً وتأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

وربما يكون أحد أهم مؤشرات نجاح أي ترتيبات إقليمية جديدة هو قدرتها على فتح أفق سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية، لأن السلام الذي يتجاوز جوهر الأزمة يبقى سلامًا مؤقتًا، أما السلام الذي يعالج جذور الصراع فهو وحده القادر على الاستمرار.

كما أن هناك تطوراً إقليمياً يستحق المتابعة، يتمثل في تنامي التنسيق بين مصر والسعودية وتركيا في عدد من الملفات الاستراتيجية، وهو تنسيق قد يتحول خلال السنوات القادمة إلى أحد أهم عوامل التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط إذا نجح في بناء رؤية مشتركة للأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية.

وفي خضم هذه التحولات، لا يمكن إغفال الدور المصري الذي لعب خلال السنوات الماضية دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع. فمنذ بداية الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، تبنت مصر سياسة تقوم على التوازن، ورفض التصعيد، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ودعم الحلول السياسية والدبلوماسية. كما كانت القاهرة حاضرة في معظم مسارات الوساطة والتهدئة، سواء في القضية الفلسطينية أو في العديد من الملفات الإقليمية الأخرى.

وربما لا تظهر بعض الأدوار المصرية في العناوين الرئيسية أو خلف عدسات الكاميرات، لكنها كانت جزءاً مهماً من الجهود التي حافظت على قنوات التواصل مفتوحة بين الأطراف المختلفة، وساهمت في تهيئة المناخ للوصول إلى مرحلة التفاوض بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

وفى النهاية: في السياسة لا توجد نهايات مطلقة، بل مراحل جديدة تبدأ كلما ظن العالم أن الأزمة انتهت، وجنيف قد لا تكون نهاية الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها قد تكون بداية مرحلة مختلفة تدار فيها المواجهة بالأوراق السياسية والاقتصادية أكثر من الصواريخ والطائرات.

وما نشهده اليوم يؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل جديدة، وأن موازين القوى والتحالفات الإقليمية لم تعد كما كانت قبل سنوات قليلة. كما يؤكد أن الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على بناء التوازنات ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها. وكما أشرنا من قبل، فإن الحروب تبدأ في الميدان، لكنها غالباً ما تنتهي على طاولة التفاوض، وما نراه اليوم قد يكون الدليل الأوضح على ذلك.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون جنيف بوابة الاستقرار التي تنتظرها المنطقة منذ سنوات؟ أم مجرد استراحة قصيرة في طريق صراع لم تنتهِ أسبابه بعد؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن ما بعد 19 يونيو لن يكون كما قبله، وأن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات ومراكز القوة لعقد كامل قادم، فقد لا يكون ما يوقع في جنيف مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل قد يكون بداية لشرق أوسط جديد تتشكل ملامحه الآن أمام أعين العالم.

اقرأ أيضاًمستقبل الإقليم بعد اتفاق «واشنطن – طهران».. مصطفى بكري يبرز دلالات زيارة الشيخ محمد بن زايد لمصر

مصطفى بكري: الاتفاق بين أمريكا وإيران «تقاسم نفوذ» ومنطقتنا العربية في خطر

الملف النووي والعقوبات الاقتصادية.. هل يحسم الاتفاق بين واشنطن وطهران الخلافات نهائيا؟

Exit mobile version