لم تكن معركة العلمين مجرد مواجهة عسكرية في صحراء مصر الغربية، بل كانت واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في تاريخ الحرب العالمية الثان، ففي هذه المنطقة التي تبدو هادئة بين البحر المتوسط ومنخفض القطارة، تقرر مصير مشروع عسكري نازي كان يهدف إلى تغيير موازين القوى في العالم.
كانت مصر في قلب الصراع العالمي بسبب موقعها الاستراتيجي، وبسبب قناة السويس التي مثلت شريانًا حيويًا للإمدادات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولذلك أصبحت الأراضي المصرية هدفًا رئيسيًا لقوات المحور بقيادة ألمانيا وإيطاليا، رغم أن مصر لم تكن طرفًا في الحرب، ولم تكن صاحبة قرار في هذا الصراع الدولي.
كانت الحرب العالمية الثانية قد وصلت إلى شمال أفريقيا منذ عام 1940، عندما تقدمت القوات الإيطالية من ليبيا نحو الحدود المصرية، ثم تدخلت ألمانيا بإرسال قوات «الفيلق الأفريقي» بقيادة القائد الألماني روميل عام 1941.
كان الهدف النازي واضحًا: السيطرة على مصر وقناة السويس، ثم التقدم نحو منابع النفط في الشرق الأوسط، وفتح طريق استراتيجي يربط أوروبا بالمنطقة العربية، ولو نجح هذا المخطط، لكان من الممكن أن يتغير مسار الحرب العالمية الثانية بشكل كبير.
وصلت قوات المحور إلى مشارف العلمين بعد سلسلة من الانتصارات، وأصبحت مصر مهددة بشكل مباشر. وقعت معركة العلمين الأولى في الفترة من 1 يوليو إلى 27 يوليو 1942، حيث تمكنت قوات الحلفاء من وقف تقدم روميل ومنع سقوط مصر.
ثم جاءت معركة العلمين الثانية في الفترة من 23 أكتوبر إلى 11 نوفمبر 1942، بقيادة الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري، وكانت نقطة التحول الكبرى في شمال أفريقيا.
نجحت قوات الحلفاء في اختراق دفاعات المحور وإجبار القوات الألمانية والإيطالية على الانسحاب غربًا، ولم يكن هذا مجرد انتصار عسكري عادي، بل كان أول انتصار بري كبير للحلفاء على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية بعد سنوات من التفوق الألماني.
وبعد أسابيع قليلة، جاء الانتصار السوفيتي الكبير في معركة ستالينجراد (أغسطس 1942 – فبراير 1943) على الجبهة الشرقية في روسيا، ليصبح انتصار العلمين وستالينجراد بداية التحول التاريخي الذي بدأ معه تراجع المد النازي على جبهتين رئيسيتين.
كانت خسائر معركة العلمين الثانية ضخمة، فقد تكبدت قوات المحور نحو 30 ألف قتيل وجريح ومفقود وأسير تقريبًا، بينما بلغت خسائر قوات الحلفاء نحو 13 ألف قتيل وجريح ومفقود، ومع احتساب مراحل القتال المختلفة في العلمين خلال عام 1942، ارتفع عدد الضحايا من الطرفين إلى عشرات الآلاف.
لكن خلف هذه الأرقام العسكرية الكبرى كانت هناك مأساة مصرية لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي.
فالحرب التي دارت على أرض مصر لم تكن حربًا مصرية، ولم يكن للشعب المصري فيها ناقة ولا جمل، لكنه تحمل آثارها الثقيلة، تحولت المدن المصرية إلى مناطق عسكرية، وانتشرت المعسكرات والقواعد والمطارات الأجنبية، وتعرضت البلاد لضغوط اقتصادية كبيرة بسبب احتياجات القوات المتحاربة.
عانى المصريون من نقص بعض السلع، وارتفاع الأسعار، واضطراب حركة التجارة، كما تعرضت بعض المناطق للقصف والخطر المباشر، سقط ضحايا مصريون نتيجة القصف والحوادث العسكرية ومخلفات الحرب، كما تضررت منشآت وبنية أساسية بسبب العمليات العسكرية التي جرت فوق الأرض المصرية.
لقد وجد المواطن المصري نفسه وسط حرب بين إمبراطوريات وقوى كبرى لا يملك قرارها، لكنه دفع ثمن موقع بلاده الاستراتيجي، وبعد أن صمتت المدافع، بقي أخطر إرث للحرب: الألغام.
فقد زرع الطرفان أعدادًا ضخمة من الألغام في منطقة العلمين والساحل الشمالي الغربي ضمن خطوط دفاعية واسعة، وكانت تلك المنطقة من أكثر مناطق العالم تلوثًا بمخلفات الحرب، حيث بقيت الألغام ومخلفات الذخائر تهدد حياة السكان وتعطل التنمية لعقود طويلة.
وقدّرت الدراسات أعداد الألغام ومخلفات الحرب في الساحل الشمالي الغربي لمصر بالملايين، بعضها من مخلفات قوات المحور، وبعضها من مخلفات قوات الحلفاء.
وعملت مصر على إزالة هذه الألغام عبر مراحل طويلة، من خلال جهود القوات المسلحة المصرية وبرامج التطهير والتعاون الفني الدولي، وتمكنت مصر من تطهير مساحات واسعة من الأراضي، خاصة المناطق التي ارتبطت بمشروعات التنمية الجديدة في الساحل الشمالي ومنطقة العلمين، رغم أن ضخامة المشكلة وانتشار المخلفات جعلا عملية التطهير تحتاج إلى وقت طويل.
إن إزالة الألغام لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت استعادة لأرض مصرية ظلت أسيرة لحرب انتهت قبل عشرات السنين.
أما مقابر العلمين، فهي اليوم شاهد على الثمن الإنساني للحرب، ففي المنطقة توجد مقابر ونصب تذكارية لجنود الحلفاء الذين قتلوا في معارك شمال أفريقيا، وكذلك مقابر لقوات المحور من الألمان والإيطاليين.
وتضم مقابر الحلفاء في العلمين رفات آلاف الجنود الذين جاءوا من دول مختلفة، وانتهت حياتهم في صحراء مصر، كما أقيمت مقابر لقوات المحور لتخليد ذكرى قتلاهم.
إن العلمين ليست مجرد ذكرى لانتصار عسكري على النازية، بل هي قصة أرض تحولت إلى ساحة لصراع عالمي لم تختره، وهي تذكير بأن الشعوب التي تقع في قلب الصراعات الكبرى تتحمل غالبًا نصيبًا هائلًا من الخسائر، حتى لو لم تكن هي التي بدأت الحرب.
ولهذا تبقى معركة العلمين درسًا تاريخيًا: انتصار عسكري غيّر مسار الحرب العالمية الثانية، لكنه ترك وراءه في مصر جراحًا بشرية ومادية وآثارًا ما زالت حاضرة.
