ثنائيات الطرف الثالث.. عندما تتحول قضايا الرأي العام إلى معارك مصطنعة – الأسبوع

ثنائيات الطرف الثالث.. عندما تتحول قضايا الرأي العام إلى معارك مصطنعة – الأسبوع


حسابات وصفحات ومجموعات تتحرك بسرعة وبكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد دقائق من وقوع أي حدث. تردد الرسائل نفسها، وتستخدم العبارات ذاتها، وكأنها تعمل وفق خطة واحدة. لا يشغلها البحث عن الحقيقة، ولا انتظار نتائج التحقيقات، بل تسابق الزمن لصناعة ثنائية جديدة بين المصريين، ثم تدفع كل طرف إلى مهاجمة الآخر، حتى تتحول القضية الأصلية إلى معركة مفتوحة لا علاقة لها بالواقعة نفسها.

من يتأمل المشهد منذ الأسبوع الأخير من أبريل 2026 وحتى الأيام الأخيرة من يونيو من العام نفسه، يكتشف أن الأمر تجاوز حدود واقعة بعينها. تتبدل الأحداث والقضايا، بينما تبقى الأدوات على حالها. مرة تحت عنوان الدفاع عن نظام غذائي والترويج لصاحبه، ومرة أخرى بدعوى نصرة متهم في قضية جنائية، وثالثة عبر الهجوم على مستشفى حكومي، ثم تتكرر الصورة مع كل قضية جديدة، بالأدوات نفسها، والحسابات نفسها، والصفحات نفسها، واللغة ذاتها، بما يوحي بوجود طرف ثالث يعمل من خلف الشاشات.

هذا الطرف الثالث لا يظهر في واجهة الأحداث، لكنه يبدو حاضرًا في كل قضية تشغل الناس. يدفع بآلاف الحسابات الوهمية إلى ساحة النقاش، ويغرق مواقع التواصل بالشائعات والمعلومات المغلوطة، ويحول أي خلاف إلى معركة، وأي واقعة إلى ساحة استقطاب، حتى يصبح الانقسام هو النتيجة الأولى، وتغيب الحقائق وسط الضجيج.

في مساء التاسع عشر من أبريل 2026، ظهر هذا الأسلوب بوضوح عندما بدأت حملة واسعة للترويج لادعاءات تزعم أن طبيبًا قُتل بسبب نصائح غذائية كان يقدمها. وخلال أيام قليلة، انتشرت آلاف المنشورات التي تتحدث عن مؤامرة مزعومة، ثم تحولت الحملة إلى الدعاية للنظام الغذائي نفسه، وتسويق منتجات ومستحضرات تكميلية والتربح من إدارة حسابات وصفحات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع هجوم واسع على الأطباء، والمستشفيات، وشركات الأدوية، وأنواع محددة من الأغذية.

اللافت أن الحملة لم تتوقف عند الترويج لنظام غذائي، وإنما امتدت إلى تقديم نصائح علاجية يكتبها مجهولون لمرضى يعانون أمراضًا مزمنة وحالات صحية خطيرة. عشرات الحسابات الوهمية طالبت المرضى بإيقاف أدويتهم، وقدمت تشخيصات جاهزة دون الاطلاع على تاريخهم المرضي، أو نتائج التحاليل، أو تقارير الأطباء. والمثير أن بعض هذه الحسابات كان يقدم المعلومة وعكسها في التعليقات نفسها. وهو ما يكشف أن الهدف لم يكن إقناع الناس بحقيقة علمية، بقدر ما كان إغراق النقاش بأكبر قدر ممكن من المحتوى، بغض النظر عن الأضرار التي قد تصل إلى إصابة المرضى بعواقب خطيرة.

وعندما يعترض طبيب أو مواطن عادي على هذه النصائح، تبدأ مرحلة جديدة من الهجوم المنظم. تنهال عليه الشتائم والإهانات وفواصل التجريح، ثم تمتد الاعتداءات إلى ملاحقة برسائل التهديد والوعيد من مجهولين ومعلومين إذا تبين أن صاحب الرأي المخالف يمتلك تأثيرًا على الآخرين. والنتيجة أن كثيرين يفضلون الانسحاب من النقاش، تاركين الساحة لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يملك الدليل.

لم يقتصر هذا الأسلوب على الملف الصحي. ففي إحدى القضايا الجنائية المعروفة، انطلقت في السادس من يونيو 2026 حملة تزعم أن المتهم الأول مستهدف بسبب ديانته، متجاهلة أسماء بقية المتهمين، ومتجاوزة وقائع القضية نفسها. وفي الوقت ذاته، تغيرت أسماء مجموعات قديمة على مواقع التواصل، وتحولت إلى منصات للدفاع عن المتهم وترويج أكاذيب يختلقها هاربون في دول الملاذ الآمن، مع التركيز على أقاويل عن أعمال إنسانية ومواقف داعمة لمغلوب على أمرهم أو أصحاب حق، في محاولة واضحة لنقل النقاش من ملف القضية إلى صورة شخصية يجري رسمها أمام الرأي العام.

وتكرر المشهد مع المنشور الذي كتبته طبيبة سابقة يتضمن ادعاءات عن وقائع مزعومة منذ ست سنوات في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية. وخلال ساعات، دفع الطرف الثالث المنشور إلى صدارة وسائل التواصل مدعومًا بآلاف المشاركات والإعجابات والتعليقات المؤيدة، وأضاف كثيرون روايات أخرى، بعضها يتحدث عن وقائع مزعومة لأخطاء فردية، وبعضها الآخر يغلب على ظاهره الكذب والاختلاق.

وعندما استمعت النيابة العامة إلى أقوال صاحبة المنشور في السابع عشر من يونيو 2026، لم تقدم واقعة محددة تؤيد ما كتبته، ولم تثبت صحة ادعاءاتها بدليل واحد، فوجهت إليها النيابة المختصة اتهام نشر أخبار كاذبة، وأخلت سبيلها بكفالة مالية، ثم صدر قرار بإحالتها إلى المحاكمة الجنائية. وما إن صدر القرار حتى بدأت حملة مظلومية كاذبة بادعاء أنها تُحاكم لأنها: “قالت كلمة الحق”.

ولا أحد ينكر أن الأخطاء الفردية واردة، وأن من يخطئ يجب أن يُحاسب. غير أن اللافت في هذه الحملة كان التعميم وتشويه صورة الطبيب المصري، والمرأة المصرية، ومستشفيات مصر. فالتعليقات لم تتحدث عن واقعة محددة أو طبيب بعينه، وإنما اتجهت إلى اتهام الجميع، وكأن الخطأ أصبح صفة ملازمة للمستشفيات الحكومية.

وفي الثامن عشر من يونيو 2026، وبعد دقائق من حادث مصرع الفتاة المعروفة إعلاميًا باسم “بائعة القهوة” في حدائق الأهرام، ظهرت مئات التعليقات المتطابقة، تزعم أن والد المتهمة الثانية يشغل منصبًا مهمًا، واختلقت له اسمًا لا صلة له بالمتهمة. وانتشرت الرواية بسرعة لافتة، رغم أنها لا تستند إلى حقيقة، لتبدأ محاولة جديدة لترسيخ ثنائية “الناس اللي فوق.. والغلابة اللي تحت”، قبل أن تنتهي التحقيقات أو تتضح تفاصيل الواقعة. ولم يكن الهدف التحقق من صحة المعلومة، وإنما ضمان انتشارها قبل ظهور الحقيقة.

ولا تقتصر هذه الآلية على القضايا الجنائية أو الصحية، بل تمتد حتى إلى الملفات الاجتماعية والخدمية. ويظهر الأسلوب نفسه في الجدل المتكرر حول “إطعام كلاب الشوارع”. فكلما عاد هذا الملف إلى مواقع التواصل، ظهرت الحسابات الوهمية بكثافة، وتحول النقاش إلى سيل من الاتهامات بالتكفير أو العمالة أو الخيانة، حتى أصبح الخلاف يدور حول الأشخاص، لا حول القضية نفسها. ويبقى السؤال مطروحًا: لماذا تتحول قضية الكلاب إلى معركة مستمرة، بينما لا نسمع حديثًا عن “إطعام قطط الشوارع” أو غيرها من الملفات المشابهة؟

ما يجمع كل هذه الوقائع هو الاعتماد على الشائعات، والمعلومات غير الدقيقة، والتشكيك في البيانات الرسمية، مع حملات منظمة تستهدف كل من يخالف الرواية التي يجري الترويج لها. والهدف واضح، إرباك الرأي العام، وإضعاف الثقة في المؤسسات، ودفع الناس إلى إصدار الأحكام قبل انتهاء التحقيقات.

ويبقى السؤال مطروحًا: إلى متى تستمر هذه الحملات في التضليل واستغلال قضايا الرأي العام لإثارة الفتن والانقسامات، والإضرار بثقة المواطنين في مؤسسات الدولة؟

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بحذف منشور، أو إغلاق صفحة، أو محاسبة فرد واحد من منظومة مشبوهة، وإنما تبدأ بتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في نشر الأكاذيب، وتمويل حملات التضليل، وإدارة الحسابات الوهمية التي تحترف صناعة الفتن. فالمجتمعات لا تُستنزف بالشائعات وحدها، وإنما تُستنزف عندما يصبح الكذب والتضليل وسيلة للتأثير في الرأي العام، وعندما تتحول كل قضية إلى ثنائيات في ساحات استقطاب، قبل أن يقول القانون كلمته، وقبل أن تظهر الحقيقة كاملة أمام الجميع.

Exit mobile version