مع صدور الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة (2026-2030)، بدا واضحًا أن مصر لا تراجع فقط خريطة أصولها الاقتصادية، بل تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق من جديد.فالوثيقة الجديدة تتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي سادت لعقود، لغة تركز على إدارة الدور بدلاً من إدارة الملكية، وعلى تعظيم مساهمة القطاع الخاص، وتوسيع برامج الطروحات، وإعادة هيكلة الأصول العامة وفق معايير الكفاءة والعائد الاقتصادي.
لكن خلف هذه اللغة الاقتصادية الحديثة يبرز سؤال أكثر عمقًا من أرقام الطروحات وحصيلة التخارجات: ما هي الحدود التي يجب أن تقف عندها الدولة عندما يتعلق الأمر بالأصول الاستراتيجية؟ وهل يمكن التعامل مع المطارات والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات باعتبارها مجرد أصول مالية تخضع لحسابات الربح والخسارة، أم أنها تمثل جزءًا من البنية السيادية للدولة الحديثة؟.
الأصول الحيوية أحد أركان السيادة الوطنية
في الحقيقة، لا يدور الجدل هنا حول البيع أو عدم البيع، ولا حول القطاع العام أو القطاع الخاص بالمعنى التقليدي، بل حول مفهوم الأمن القومي الاقتصادي نفسه. ففي عالم يشهد حروبًا تجارية، وصراعات على الطاقة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتنافسًا محمومًا على التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية، لم تعد السيطرة على الأصول الحيوية مسألة اقتصادية خالصة، بل أصبحت أحد أركان السيادة الوطنية. ومن هنا، فإن قراءة وثيقة سياسة ملكية الدولة لا ينبغي أن تقتصر على ما ستتخارج منه الدولة، وإنما على ما ستحتفظ بالسيطرة عليه، ولماذا ستحتفظ به. فالدول لا تُقاس قوتها فقط بحجم استثمارات القطاع الخاص فيها، بل أيضًا بقدرتها على حماية المفاصل الاستراتيجية التي يتوقف عليها استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي.
وهنا تحديدًا يبرز السؤال الذي سيحدد نجاح أو فشل المرحلة المقبلة: هل تتجه مصر نحو دولة أقل حضورًا في الاقتصاد، أم نحو دولة أكثر انتقائية وذكاءً في إدارة أصولها الاستراتيجية؟.
لقد انشغل الجدل الاقتصادي في مصر طوال سنوات بسؤال الملكية: كم شركة يجب أن تمتلكها الدولة؟ وما هي القطاعات التي ينبغي أن تخرج منها؟ لكن التجارب الدولية الكبرى تثبت أن السؤال الحقيقي ليس حجم الملكية، بل طبيعة الوظيفة التي تؤديها الدولة داخل الاقتصاد.فالصين، التي أصبحت مصنع العالم وأحد أكبر الاقتصادات الدولية، لم تحقق صعودها عبر تفكيك القطاع العام، بل عبر تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى أدوات استر اتيجية للتنمية والتوسع العالمي. كما أن دول الخليج لم تتخل عن سيطرتها على قطاعات الطاقة والبنية الأساسية، وإنما أعادت تنظيمها داخل أطر مؤسسية وصناديق سيادية تعظم العائد وتحافظ على السيطرة في الوقت نفسه.
وهنا تكمن المفارقة، فالنقاش الدائر حول ملكية الدولة للأصول يفترض ضمنيًا أن الكفاءة لا تتحقق إلا بالانسحاب، بينما تثبت الخبرة الدولية أن المشكلة ليست في الملكية نفسها، بل في الإدارة والحوكمة وآليات الرقابة والمساءلة. فالطاقة ليست مجرد نشاط اقتصادي. والموانئ ليست مجرد شركات. وشبكات الكهرباء ليست مجرد أصول قابلة للتقييم المالي. إنها جميعًا أدوات سيادية تتحكم في شرايين الاقتصاد الوطني. وفي أوقات الأزمات والحروب والصدمات العالمية تظهر القيمة الحقيقية لهذه الأصول، لا باعتبارها مصدرًا للإيرادات فقط، بل باعتبارها ضمانة لاستقلال القرار الوطني.
لقد كشفت السنوات الأخيرة هشاشة الكثير من الافتراضات الاقتصادية التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي. فالولايات المتحدة عادت إلى دعم صناعاتها الاستراتيجية بصورة غير مسبوقة. وأوروبا أعادت بناء سياساتها الصناعية لحماية أمنها الاقتصادي. والصين عززت حضور الدولة في القطاعات الحساسة. أي أن العالم لا يتحرك نحو دولة أقل، بل نحو دولة أكثر وعيًا بأهمية الأصول الاستراتيجية.
من هنا، فإن نجاح وثيقة سياسة ملكية الدولة لن يقاس بعدد الشركات المطروحة أو قيمة الصفقات المنفذة، بل بقدرتها على التمييز بين ما هو استراتيجي وما هو تنافسي. فليس مطلوبًا من الدولة أن تدير كل شيء، كما أنه ليس مطلوبًا منها أن تتخلى عن كل شيء. المعادلة الأكثر كفاءة هي دولة قوية تسيطر على المفاصل الاستراتيجية للاقتصاد، وقطاع خاص قوي يقود الاستثمار والإنتاج والمنافسة والابتكار. فالعلاقة بينهما ليست علاقة إحلال أو إقصاء، وإنما علاقة تكامل تخدم مشروعًا تنمويًا وطنيًا طويل الأجل.
التحدي الحقيقي
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في امتلاك الدولة للأصول الحيوية، بل في أن تمتلكها دون كفاءة. كما أن الخطر المقابل لا يكمن في مشاركة القطاع الخاص، بل في فقدان السيطرة على الأصول التي تمثل ركيزة للأمن القومي الاقتصادي، ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن الطروحات ليس: كم أصلًا ستبيع الدولة؟ بل: ما هي الأصول التي لا يمكن للدولة أن تتخلى عن السيطرة عليها مهما كانت الإغراءات المالية؟
في القرن الحادي والعشرين لم يعد الأمن القومي يقتصر على الحدود والجيوش والسلاح. الأمن القومي أصبح يمتد إلى الطاقة والغذاء والمياه والاتصالات والموانئ والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.وهذه كلها أصول لا تُقاس قيمتها بسعر السوق فقط، وإنما بقدرتها على حماية استقلال القرار الوطني في عالم يزداد اضطرابًا يوماً بعد يوم.
ولهذا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام مصر في المرحلة المقبلة ليس إدارة برنامج الطروحات، بل إدارة التوازن الدقيق بين الكفاءة الاقتصادية والسيادة الوطنية. فالأصول يمكن تقييمها بالمال، أما الأمن القومي فلا يمكن تسعيره في البورصة.
