ابنتي الكبرى.. أجمل قصة كتبها الله عز وجل في حياتي، سيده قلبي « إيمان» استسمحك تلقي نظرة علي هذه الكلمات قبل دخولك امتحانات الثانوية العامة غدا، فها هنا اكتب اليوم اهم مقاله في حياتي.
هناك أشياء في الحياة لا يمكن وصفها بالكلمات، ومهما امتلك الإنسان من بلاغة وفصاحة، وقوه وصف ما في قلبه يبقي عاجزًا أمام بعض المشاعر التي خُلقت لتُعاش لا لتُحكي.
وأنا اليوم أقف أمام واحدة من تلك اللحظات.
مرت الأيام سريعًا، أسرع مما تخيلت يومًا، وكأن السنوات كانت صفحات كتاب تقلبها الريح دون استئذان، فإذا بي أجد ابنتي الكبرى، نور عيني، فلذة كبدي، وأول رزق من الله لي، تستعد لدخول امتحانات الثانوية العامة.
أقف متأملة وجهها فأرى فيه رحلة عمر كاملة، أتذكرها يوم كانت نبضة صغيرة تسكن داخلي، أضع يدي على بطني وأنتظر حركتها بلهفة، حلمت بها في شهري الثالث ومن عليا ربي برؤيتها وعلمت اني حامل في بنوته اول واغلي فرحة تحدثت إليها قبل أن تراها عيناي، وأحببتها وعشقتها قبل أن أعرف ملامحها.
أتذكر أول نظرة، وأول ضحكة، وأول خطوة، وأول كلمة نطقتها وهي تناديني: «ماما».
أتذكر أول يوم ذهبت فيه إلى الحضانة، يومها ظننت أن الفراق سيكون صعبًا عليها فقط، لكن الحقيقة أنه كان أصعب وأبشع عليّ أنا.
دفعت المصروفات وأنا أحاول أن أبدو قوية، ثم عدت إلى المنزل وقلبي معلق هناك، حيث تركت قطعة من روحي بين جدران ذلك المكان.
كانت متعلقة بي تعلقًا لا يوصف، اعتادت أن تفتح عينيها كل صباح فتجد أمها بجوارها، وأن تنام كل ليلة وهي تشعر بالأمان بين ذراعي.
ولأنها كانت تراني فيّ عالمها كله، كنت أرى فيها حياتي كلها.
ثم مرت الأيام.
كبرت الصغيرة.
تحولت الطفلة التي كنت أمسك يدها إلى فتاة تمسك أحلامها بيديها.
تحولت إيمي التي كانت تختبئ خلفي إلى شابة تستعد لمواجهة الحياة.
واليوم، وهي تستعد لامتحانات الثانوية العامة، ما زالت تقول لي بنفس البراءة التي عرفتها منذ طفولتها: «أوعي تسيبيني يا مامي.. .تعالي معايا».
فأبتسم وأقول لها ما قلته منذ أول يوم حملتها فيه بين ذراعي: «عمري ما هتخلى عنك.. .لأنك روحي».
وهنا أدركت حقيقة عظيمة تغفل عنها الكثير من الأمهات.
نحن نظن أحيانًا أن أبناءنا يحتاجون الطعام والملابس والتعليم فقط، بينما أكثر ما يحتاجونه هو الشعور بأن هناك قلبًا لا يغلق أبوابه في وجوههم أبدًا.
الابنة الكبرى ليست مجرد ابنة.
إنها قصة كاملة.
إنها أول تجربة للأمومة.
أول نبضة خوف.
وأول معنى حقيقي للحب غير المشروط.
هي المرآة التي ترى فيها الأم نفسها، والذاكرة التي تحفظ أجمل سنوات عمرها.
ولهذا أقول واوجه نصيحه من أعماق قلبي لكل أم:
لا تتوقفي عن احتضان ابنتك مهما كبرت.
لا تتوقفي عن تقبيلها مهما أصبحت شابة.
لا تتوقفي عن إخبارها بأنها جميلة وقوية ومحبوبة.
لا تتوقفي عن منحها الأمان والاستقرار النفسي مهما واجهتي من متاعب أو تحديات.
فالعالم الخارجي مليء بالقسوة، لكن البيت والام علي وجه الخصوص يجب أن تبقي الملاذ الحقيقي الذي تعود إليه الابنة والابن كلما أرهقتهما الحياة.
ازرعي فيها الثقة قبل أن تبحث عنها في عيون الآخرين.
ازرعي فيها الكرامة قبل أن يعلمها الناس معناها.
ازرعي فيها الحب قبل أن تطلبه من أحد.
اجعليها تعرف أنها ليست رقمًا في حياتك، ولا مسؤولية تؤدينها، ولا واجبًا يوميًا تنتهين منه.
بل هي جزء من روحك.
كثيرون ينشغلون بالحياة وبأمور ليست ليها قيمه أمور تافهة امام احتضان الأبناء ورعايتهم وحسن احتواء مشاعرهم.
تركض بنا الأيام خلف الانشغال بالمال والعمل والمجاملات ومشاغل الدنيا.
لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخرين أن أعظم استثمار في الحياة ليس بيتًا نبنيه، ولا مالًا نجمعه، ولا منصبًا نحصل عليه.
أعظم استثمار هو قلب طفل يشعر أنه محبوب.
وأعظم نجاح هو إنسان صالح واثق بنفسه خرج إلى الحياة وهو يحمل بداخله يقينًا أن هناك أمًا كانت دائمًا سندًا له.
فالأم ليست فقط من تطهو الطعام.
وليست فقط من ترتب المنزل.
وليست فقط من تتابع الدراسة.
الأم الحقيقية هي التي تصبح وطنًا، وطنًا يعود إليه الأبناء كلما أتعبتهم الطرق وارهقتهم الحياه.
وطنًا يشعرون فيه بالأمان مهما تغيرت الدنيا.
وطنًا لا تغلق أبوابه أبدًا.
واليوم، وأنا أرى ابنتي تقف على أعتاب مرحلة جديدة من عمرها، أدعو الله عز وجل، أن يحفظها كما حفظ قلبي بها.
وأدرك أن السنوات لم تأخذ مني شيئًا،
بل منحتني أجمل هدية يمكن أن ينالها إنسان.
ابنة كبرت أمام عيني، لكنها ما زالت تسكن قلبي كما كانت يوم حملتها لأول مرة.
وإذا سألني أحدهم يومًا عن أعظم نعم الله عليّ، فلن أذكر مالًا ولا نجاحًا ولا مكانة.
سأقول بكل فخر: كانت ابنتي الكبرى، وكانت أجمل قصة كتبها الله في حياتي.
أما أنتِ يا حبيبة قلبي، يا أجمل ما أهداني الله في هذه الحياة، فاسمحي لي اليوم أن أوجه إليكِ كلمات من قلب أم عاشت معكِ كل لحظة، وفرحت بكل نجاح، وتألمت لكل تعب، وحلمت لكِ دائمًا بأجمل مستقبل.
ها أنتِ اليوم تقفين أمام أول موقف حقيقي من مواقف الحياة الكبرى، وأول فصل من فصول رحلتك نحو أحلامك، وهو امتحان الثانوية العامة.
واستسمحك وأريدك أن تدخلي هذه المرحلة بقلب مطمئن، ونفس واثقة، ويقين كامل بالله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيب سعي من اجتهد وأخلص وتوكل عليه.
ادخلي لجنتك وأنتِ مرفوعة الرأس، مؤمنة بقدراتك، واثقة فيما تعلمتِه، مؤمنة أنكِ تستطيعين تحقيق ما تتمنينه وترسمينه في خيالك.
لا تسمحي للخوف أن يسرق منكِ أحلامك لحظة، ولا للقلق أن يهزم تعب سنوات طويلة بذلتِ فيها من الجهد والصبر ما يستحق كل تقدير.
تذكري دائمًا أنكِ ابنة قلب عرفكِ قبل أن تراكِ عيناه، وأنني كنت دومًا بجوارك في كل خطوة من خطوات حياتك، وها أنا اليوم أطلب منكِ أن تستعدي لمواجهة هذا الفصل الجديد بكل قوة وعزم وتحدٍ وإصرار، وبثقة لا تتزعزع في الله عز وجل، لأنه معكِ ما دمتِ معه وانه الرحمن الرحيم.
أنتِ تستحقين كل خير، لأنكِ ابنة محترمة، مؤمنة، صاحبة قلب نقي، تخافين الله في كل تصرفاتك، وتجتهدين من أجل مستقبلك، وتصبرين من أجل الوصول إلى ما تتمنينه.
ولذلك فإعلمي على يقين أن الله لن يضيع لكِ تعبًا، ولن يخذل لكِ دعاءً، ولن يترك قلبًا تعلق به وتوكل عليه.
فتأكدي يا ابنتي الغالية أنني سأظل بجوارك كما كنت دائمًا، ولن أتركك أبدًا.
سأكون في انتظارك تحت اللجنة، أحمل مصحفي بين يدي، وأرفع أكف الدعاء إلى السماء، وقلبي كله ثقة في رحمة الله وقدرته وتوفيقه.
حفظكِ الله ورعاكِ، وشرح صدركِ، ويسر أمركِ، وبارك لكِ في علمكِ وجهدكِ، وجعل النجاح والتوفيق حليفكِ في كل خطوة من خطوات حياتك.
وأستودع الله ابنتي الحبيبة، وأستودع الله جميع أبنائنا وبناتنا من طلاب وطالبات الثانوية العامة، فهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
اقرأ أيضاًلا تتركيني.. حضنك وطن وعطاؤك عمر لا يعوض
مغامرة كوميدية مشوّقة.. «سندس في عالم قندس» بدور العرض في عيد الفطر
«الغمراوي» يرأس وفد مصر المشارك في قمة التحالف الدولي للسلطات الدوائية «ICMRA»
