عاشوراء بين ثبات الحق وزوال الباطل – الأسبوع

عاشوراء بين ثبات الحق وزوال الباطل – الأسبوع

إن الله سبحانه وتعالى ينصر الحق ولو بعد حين، ويخذل الباطل مهما امتلك من أسباب القوة والتمكين. إنها سنة إلهية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، فالحق منتصر بإذن الله، والإيمان غالب للطغيان مهما اشتد بطشه وتجبر أهله.

ولعل من أعظم الشواهد على ذلك قصة نبي الله موسى عليه السلام، حين وجد نفسه ومن آمن معه محاصرين بين بحرٍ عظيم أمامهم، وجيش فرعون الجرار خلفهم.

وفي تلك اللحظات بدا للناس أن النجاة مستحيلة وفق الحسابات البشرية، وأن أسباب الهلاك قد أحاطت بهم من كل جانب، لكن الله أراد أن يعلم البشرية كلها أن الأسباب وحدها لا تصنع النصر، وأن الفرج بيده سبحانه، يؤتيه من يشاء وفي الوقت الذي يشاء.

وكذلك كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، التي يظن بعض الناس أنها كانت هروبًا من الأذى أو فرارًا من بطش المشركين، بينما كانت في حقيقتها نصرًا وتمكينًا وتأييدًا من الله لرسوله الكريم.

فقد كانت بداية إعداد أمة، وبناء دولة، وإقامة حضارة قامت على العدل والصدق والإخلاص والإيمان، لذلك لم تكن الهجرة انكسارًا، بل كانت انتصارًا عظيمًا فتح الله به أبواب المستقبل للإسلام والمسلمين.

ومن هنا ندرك أن الهجرة ليست دائمًا انتقالًا من مكان إلى مكان، بل قد تكون انتقالًا من الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى القوة، ومن ظلمات الطغيان إلى نور الإيمان والحرية.

ويأتي يوم عاشوراء ليجسد هذه المعاني الخالدة. فهو ليس مجرد ذكرى تاريخية تُروى، ولا حدثًا عابرًا يُستحضر للتسلية، بل هو إعلان رباني مدوٍّ بأن الحق لا يموت، وأن الباطل مهما تجبر وتكبر فمصيره إلى الزوال.

لقد وقف موسى عليه السلام ومعه قوم مستضعفون أمام البحر، وخلفهم فرعون الذي طغى في البلاد، وادعى ما ليس له، وقال في غروره وجبروته: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى».

وفي لحظة بدت فيها كل الحسابات البشرية عاجزة عن إيجاد مخرج، جاء اليقين الذي يصنع المعجزات، فقال موسى عليه السلام كلمته الخالدة: «كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ».

هنا تتجلى الرسالة الأولى لعاشوراء: إذا كان الله معك فلا تخف، وإذا نصرك فلا غالب لك.

إن عاشوراء يوم يبعث الأمل في النفوس، ويغرس الثقة في القلوب، ويؤكد أن الأزمات مهما اشتدت، والظروف مهما تعقدت، فإن الفرج قريب، وأن تدبير الله فوق كل تدبير، وحكمته فوق كل حساب.

وفي عاشوراء نتعلم أن الإيمان ليس مجرد كلمات تُرددها الألسنة، بل يقين راسخ يسكن القلوب، وثبات يظهر عند الشدائد، وصبر لا تزعزعه المحن. فكم من إنسان ظن أن الأبواب قد أُغلقت في وجهه، فإذا بالله يفتح له من حيث لا يحتسب، وكم من مظلوم ظن أن الظلم قد انتصر، فإذا بالأيام تثبت أن الله لا يضيع حقًا ولا يخذل عبدًا لجأ إليه.

ومن أعظم الدروس التي يحملها عاشوراء أن النعم تستوجب الشكر. ولذلك صام النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم شكرًا لله تعالى على نجاة موسى وقومه، ليعلم الأمة أن الشكر عبادة، ومنهج حياة، وسر من أسرار دوام النعم وزيادتها.

كما يوجه عاشوراء رسالة قوية إلى كل صاحب حق، وكل داعية ومصلح ومربٍّ، مفادها أن طريق الحق مليء بالتحديات، وأن الابتلاء سنة ماضية، لكن العاقبة دائمًا للمتقين. فكم من طاغية سقط، وكم من قوة اندثرت، وكم من جبروت تهاوى، بينما بقي الحق شامخًا تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل.

إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام دروس عاشوراء، وإلى استحضار يقين موسى وثقته المطلقة بربه، وإلى الإيمان بأن النصر لا يُقاس بكثرة العدد والعدة، وإنما يُقاس بصدق التوكل على الله وقوة الصلة به.

ويبقى عاشوراء شاهدًا خالدًا على أن البحر قد ينشق بأمر الله، وأن المستحيل في حسابات البشر يصبح ممكنًا إذا تعلق القلب برب البشر، وأن نور الحق لا تنطفئ شعلته مهما أحاطت به ظلمات الباطل.

فيا من أثقلتك الهموم، ويا من ضاقت بك السبل، ويا من أرهقتك المحن، تذكر رسالة عاشوراء الخالدة: لا تيأس، فرب موسى حي لا يموت، ونصر الله يأتي في الوقت الذي يقدره سبحانه، لا في الوقت الذي يختاره الناس.

وهكذا يبقى عاشوراء يومًا تتجدد فيه معاني الإيمان، وتنبعث فيه روح الأمل، ويعلو فيه صوت الحقيقة معلنًا للعالم أجمع أن الحق منتصر وإن طال الطريق، وأن الباطل مهزوم وإن امتلك أسباب القوة.

اقرأ أيضاًيكفّر ذنوب سنة كاملة.. موعد يوم عاشوراء 2026 وفضل صيامه

موعد يوم عاشوراء 2026.. هل يكفر صيامه ذنوب سنة كاملة؟

Exit mobile version