إبراهيم نصر
إبراهيم نصر
إن أمن الناس الغذائي وصحتهم هما أغلى ما يملكون، والمساس بهما يمثل جريمة نكراء تتعدى حدود الكسب غير المشروع لتصل إلى درجة الفساد في الأرض وشبهة القتل العمد وإن لم يكن فى التو واللحظة، لأن أثر هذه السموم قد يأخذ وقتا حتى يقضى على حياة الناس، وإن لم يكن سببا مباشرا فى قتلهم فإنه يصيبهم بالأمراض القاتلة.
وللأسف الشديد يتزايد الجشع التجاري لدى بعض ضعاف النفوس، وتنتشر ظاهرة الغش التجاري عبر استخدام المبيدات المحرمة دوليا والمسرطنة في إنتاج الغذاء، رغبة في تسريع دورة الإنتاج أو تعظيم الأرباح السريعة على حساب دماء الشعوب وأجسادهم، دون وازع من دين أو ضمير.
ومن يطالع آثار هذه السموم في الغذاء يدرك حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية، إذ يؤدي تراكم هذه الكيماويات المسرطنة في الخضراوات والفواكه والمنتجات الزراعية إلى تدمير الخلايا البشرية بشكل بطيء، وإصابة الآلاف بأمراض السرطان والفشل الكلوي والكبدي. وهذا الصنيع لا يمثل مجرد مخالفة تجارية عابرة، بل هو تدمير ممنهج للثروة البشرية، وإثقال كاهل المنظومة الصحية للدول، وتحويل نعم الله التي أنبتها من الأرض إلى سموم قاتلة تباع في الأسواق.
وقد وقفت الشريعة الإسلامية بالمرصاد لهذه الجرائم البشعة، وتوعدت فاعليها بأشد أنواع العقاب في الآخرة، فمن نشر الأمراض والسموم بين الناس فقد خرج من مظلة الهدي النبوي، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من غشنا فليس منا”. كما أن هذا السلوك يعد إفسادا صريحا في الأرض يوجب غضب الله، وتندرج آثاره تحت قوله تعالى: “وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” [سورة البقرة، الآية: 205].
إن الأرباح الناتجة عن بيع الأغذية المسمومة هي أموال سحت خبيثة تذهب البركة من حياة صاحبها، ويتحمل هؤلاء التجار إثم كل نفس مرضت أو ماتت بسبب سمومهم، فيأتون يوم القيامة يحملون أوزار ضحاياهم فوق أوزارهم.
ولا تقتصر عقوبة هؤلاء العابثين بالأرواح على الوعيد الأخروي فحسب، بل إن مقتضى السياسة الشرعية والقوانين الوضعية المنضبطة إيقاع أقصى العقوبات الزاجرة في الدنيا لحماية المجتمع. فالقوانين التشريعية تقضي بعقوبات غليظة تتنوع بين السجن المشدد، والغرامات المالية الباهظة، ومصادرة البضائع والآلات، وغلق المنشآت وسحب تراخيصها نهائياً. بل إن كثيراً من الفقهاء ورجال القانون يرون أن تعمد حقن الغذاء بمواد مسرطنة يعلم يقينا أنها تؤدي إلى الهلاك والمرض العضال، يخرج بالجريمة إلى دائرة جنايات القتل العمد أو شبه العمد التي تستوجب القصاص أو الدية والتعزير المغلظ، فضلا عن العقوبة الإلهية المعجلة في الدنيا بمحق بركة المال والصحة، وإذاقة فاعلها الخزي والفضيحة بين الناس.
إن مواجهة غش الغذاء واستخدام السموم المسرطنة ليست مسؤولية الجهات الرقابية والشرطية وحدها، بل هي قضية أمن قومي وتكافل مجتمعي تتطلب يقظة تامة من المستهلكين، وضميرا حيا من المزارعين والتجار. فالضرب بيد من حديد على أيدي هؤلاء المفسدين، وتطبيق القانون بصرامة ودون تهاون أو هوادة، هو الضمانة الوحيدة لحفظ صحة الأجيال، وصيانة استقرار الأوطان، وحماية الأنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
