تُعدّ حرب الخامس من يونيو 1967 نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر، ليس فقط بسبب آثارها العسكرية والاستراتيجية، وإنما أيضًا لأنها أعادت تشكيل موازين القوى داخل السلطة المصرية، وفتحت الباب أمام تحولات سياسية عميقة امتدت آثارها إلى ما بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.
فمن أهم نتائج الهزيمة سقوط جناح المشير عبد الحكيم عامر من قمة السلطة. ولم يكن هذا الجناح مجرد مجموعة من الضباط أو المسؤولين، بل كان يمثل أحد المراكز الرئيسية للقوة داخل نظام ثورة 23 يوليو 1952. فقد ضم المشير عبد الحكيم عامر، الرجل الذي شغل موقع القائد العام للقوات المسلحة من عام (1953- 1967)، وضم كذلك صلاح نصر رئيس المخابرات العامة، وشمس بدران وزير الحربية، وعددًا من كبار قادة الجيش، فضلًا عن أعضاء نافذين في مجلس الأمة وصحفيين وإعلاميين ارتبطوا بالمشير سياسيًا وشخصيًا.
كان عامر يعتبر نفسه الرجل الثاني في النظام، بينما كان أنصاره يرونه الرجل الأول فعليًا، أو على الأقل الخليفة الطبيعي لعبد الناصر. ولم يكن هذا التصور نابعًا من الطموح الشخصي وحده، بل استند إلى حقيقة أن الجيش كان يمثل العمود الفقري لنظام ثورة يوليو وأداته الأساسية في تنفيذ سياساته، وأن المشير كان صاحب النفوذ الأكبر داخل هذه المؤسسة.
ومنذ أزمة مجلس الرئاسة عام 1962، حين نجح عامر في إحباط محاولة عبد الناصر تقليص سلطاته داخل القوات المسلحة، أصبحت العلاقة بين الرجلين أقرب إلى شراكة مضطربة منها إلى علاقة رئيس بمرؤوس. وقد استمر هذا الصراع المكتوم حتى جاءت هزيمة يونيو، التي منحت عبد الناصر الفرصة للتخلص من أقوى منافسيه داخل النظام. بل إن الرئيس نفسه اعترف بذلك صراحة في اجتماع مع قيادات الدولة بعد الحرب، حين قال إن النكسة هي التي مكنته من إبعاد المشير وشمس بدران عن قيادة الجيش.
ولم يكتفِ عبد الناصر بإبعاد خصومه، بل أعلن سقوطهم سياسيًا بصورة رسمية في خطابه أمام مجلس الأمة في 23 نوفمبر 1967، حين تحدث عن مجموعة أرادت الحكم دون أن تمتلك مقوماته، وانشغلت بالوسائل عن الأهداف، وأعلن كذلك نهاية ما وصفه بـ«دولة المخابرات».
غير أن الأهمية التاريخية لسقوط جناح المشير لا تكمن فقط في إنهاء صراع داخلي على السلطة، بل في أنه أزال من المشهد السياسي مجموعة كانت تحمل تصورات مختلفة عن توجهات عبد الناصر الخارجية والداخلية. فخلال أيام الحرب نفسها سارع المشير عامر إلى اتهام الاتحاد السوفيتي بالتقصير والتآمر على مصر، وطالب بفتح قنوات اتصال مباشرة مع الولايات المتحدة من أجل معالجة الأزمة. كما كرر صلاح نصر في حواره المطول مع عبد الله إمام، المنشور في كتاب «صلاح نصر: الثورة – المخابرات – النكسة»، الآراء نفسها تقريبًا، مؤكدًا ضرورة التفاهم مع واشنطن، كما ذكر شمس بدران في مذكراته أنه خلال الإعداد لانقلاب المشير ضد عبد الناصر بعد النكسة تم الترتيب للتنسيق مع الأمريكيين للحصول على دعمهم للنظام الجديد بعد الخلاص من عبد الناصر.
لذا لا بد من التساؤل: هل كانت هذه المواقف مجرد رد فعل نفسي وسياسي على وقع الهزيمة الساحقة، أم أنها كانت تعبر عن توجه سياسي أعمق داخل جزء من النخبة الحاكمة المصرية؟
هذا السؤال يقود إلى سؤال أكبر: هل كان النظام الناصري نفسه يتجه تدريجيًا نحو اليمين السياسي قبل وفاة عبد الناصر؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تستحق التأمل. فمن اللافت أن معظم الشخصيات التي كانت مطروحة، بدرجات مختلفة، لخلافة عبد الناصر لم تكن تمثل الجناح الاشتراكي الأكثر تشددًا داخل النظام. فإلى جانب أنور السادات، كان هناك عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي، وجميعهم كانوا أقرب إلى الاتجاه المحافظ أو اليميني مقارنة بالتيار الراديكالي الذي ارتبط بإجراءات التأميم والاشتراكية في الستينيات.
وتكتسب شهادة مراد غالب، وزير الخارجية المصري الأسبق وسفير مصر لدى الاتحاد السوفيتي، أهمية خاصة في هذا السياق. ففي مذكراته يروي أن عبد الناصر طلب منه، في الشهور الأخيرة من حياته، أن يُطلع عبد اللطيف البغدادي على كامل ملفات العلاقات المصرية السوفيتية، وأن يرتب له لقاءات مع ليونيد بريجينيف وأليكسي كوسيجين ونيكولاي بودجورني، وهم قادة الاتحاد السوفيتي آنذاك. ويؤكد غالب أن الهدف من هذه الخطوة كان تقديم البغدادي رسميًا إلى القيادة السوفيتية وإعداده لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية تمهيدًا لعودته إلى دائرة الحكم. وتزداد أهمية هذه الرواية إذا تذكرنا أن البغدادي كان قد غادر السلطة عام 1964 احتجاجًا على توجهات عبد الناصر الاشتراكية وعلى أسلوب إدارة الدولة، ما يجعل التفكير في إعادته مؤشرًا مهمًا على طبيعة التوازنات السياسية التي كانت تتشكل داخل النظام في سنواته الأخيرة.
أما أنور السادات، فقد اتسم حضوره السياسي خلال سنوات حكم عبد الناصر بقدر واضح من البراغماتية والمرونة، مع احتفاظه في الوقت ذاته بولاء شديد للرئيس وخضوعه لمرجعيته بوصفها مركز القرار الأعلى في الدولة.
وفي داخل بنية السلطة، ارتبط السادات بعلاقة وثيقة بالمشير عبد الحكيم عامر، الأمر الذي أتاح له التحرك بين مراكز القوى المختلفة بحذر محسوب، دون انخراط أيديولوجي حاد أو الدخول في صدام مباشر مع أطرافها. ولم يكن من أبرز المنخرطين في التيار الاشتراكي الراديكالي، بل اتسم حضوره بطابع سياسي وتشريعي أكثر منه عقائدي. وعلى المستوى الإقليمي، انعكست هذه المقاربة العملية في علاقاته الطيبة مع حكام المملكة العربية السعودية خلال تلك المرحلة، رغم حدة الصراع المصري السعودي في اليمن.
وقد انتهى هذا المسار بتعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية في ديسمبر 1969، في خطوة عكست موقعه داخل توازنات السلطة آنذاك، قبل أن تُطوى المرحلة برحيل عبد الناصر المفاجئ في 28 سبتمبر 1970، وانتقال الرئاسة إلى أنور السادات.
ومع توليه الحكم، لم يعلن السادات قطيعة فورية مع الإرث الناصري، بل واصل إدارة المرحلة بحذر محسوب، قبل أن يتجه لاحقًا إلى إعادة تشكيل بنية الدولة، بدءًا من تخلصه من رجال عبد الناصر في انقلاب مايو 1971، مرورًا بحرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي وما ترتب عليها من تحولات سياسية واقتصادية عميقة أعادت صياغة مسار الدولة المصرية بعيدًا عن المسار الناصري.
غير أن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بالسادات أو بعامر أو بالبغدادي، بل بطبيعة المشروع الناصري نفسه.
فاشتراكية عبد الناصر لم تنشأ نتيجة صراع اجتماعي طويل قادته أحزاب أو حركات جماهيرية منظمة، كما حدث في تجارب أخرى حول العالم. ولم تكن ثمرة وجود تنظيم عقائدي واسع يحمل رؤية اشتراكية متماسكة. بل كانت، في جوهرها، قرارًا اتخذه عبد الناصر من أعلى، ثم استخدم سلطته لتنفيذه بسرعة واسعة النطاق.
وقد حققت هذه السياسات مكاسب اجتماعية حقيقية وملموسة: الإصلاح الزراعي، والتأميمات، ومجانية التعليم، والتأمين الصحي، والتوسع في الخدمات العامة، وحقوق العمال، وتحسين أوضاع قطاعات واسعة من الفقراء والطبقة الوسطى، لكن هذه الإنجازات لم تكن محمية بقوة اجتماعية منظمة تؤمن بها وتدافع عنها باعتبارها جزءًا من مشروع فكري وسياسي متكامل.
فالتنظيمات السياسية التي أنشأها عبد الناصر، من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي العربي، لم تتحول إلى مدارس سياسية تنتج كوادر مؤمنة بالاشتراكية وقادرة على الدفاع عنها. لقد ظلت، في معظم الأحيان، أدوات للتعبئة والحشد وتنظيم التأييد الشعبي، أكثر منها مؤسسات لصناعة الوعي السياسي.
لم يُطلب من الجماهير أن تفهم الاشتراكية أو أن تعتبرها جزءًا من هويتها السياسية، بل طُلب منها أن تؤيد الدولة التي تمنحها ثمار هذه السياسات. وهكذا ارتبطت المكاسب الاجتماعية بشخص الحاكم وبسلطة الدولة أكثر مما ارتبطت بقناعة جماهيرية منظمة.
صحيح أن التجربة الناصرية شهدت محاولات لبناء كوادر سياسية أكثر التزامًا بأفكار جمال عبد الناصر، مثل التنظيم الطليعي الذي تأسس داخل الاتحاد الاشتراكي العربي، ومنظمة الشباب التي أُنشئت لتأهيل أجيال جديدة من الكوادر السياسية، غير أن هذه التجارب لم تنجُ من الاهتزازات السياسية والاجتماعية، إذ تعرضت منظمة الشباب تحديدًا لانتكاسة تنظيمية ومعنوية بعد أحداث وتظاهرات عام 1968 التي أعقبت هزيمة يونيو، وما صاحبها من مراجعات وانتقادات داخل المجتمع والجامعة والشارع السياسي، وتمت تصفية التنظيم الطليعي بعد انقلاب مايو 1971.
لذا عندما رحل عبد الناصر، أصبح من الممكن تغيير السياسات بقرار يصدر من رئيس الجمهورية الجديد، ولم تظهر قوة اجتماعية أو تنظيم سياسي قادر على مقاومة هذا التحول بالقدر الكافي، لأن المشروع الناصري ظل طوال سنواته مشروع حاكم أكثر منه مشروع مجتمع.
ومن المفارقات الدالة في هذا السياق أن العديد من القيادات السياسية والإدارية التي تولت مواقع مؤثرة في عهدي أنور السادات ثم حسني مبارك كانت قد تدرجت داخل التنظيم الطليعي أو مرت عبر منظمة الشباب في عهد عبد الناصر. غير أن مسارهم اللاحق يكشف أن انتماءهم التنظيمي لم يتحول بالضرورة إلى ولاء أيديولوجي للمشروع الناصري، بقدر ما كان ولاءً لمؤسسات الدولة ذاتها ولآليات الصعود داخلها.
فقد شارك كثير منهم لاحقًا في تنفيذ سياسات اقتصادية تتعارض جذريًا مع أفكار عبد الناصر، بدءًا من التحول نحو اقتصاد الانفتاح في عهد السادات، وصولًا إلى ترسيخ سياسات السوق والخصخصة في عهد مبارك.
لذا لا يبدو التحول اليميني الذي شهدته مصر في السبعينيات حدثًا مفاجئًا أو قطيعة كاملة مع الماضي، بل نتيجة منطقية لأزمة كامنة في بنية النظام ذاته. فقد منح النظام الناصري قطاعات واسعة من المجتمع مكاسب كبيرة، وأنجز تحولات اجتماعية عميقة، لكنه لم ينجح في بناء الوعي والتنظيم القادرين على حماية هذه المكاسب بعد غياب مؤسسه.
لم تكن هزيمة يونيو 1967 هزيمة عسكرية فقط، بل كانت أيضًا بداية مرحلة كشفت التناقضات الكامنة داخل نظام يوليو، وأطلقت عملية إعادة تشكيل طويلة انتهت بانتصار الاتجاه اليميني داخل الدولة المصرية بعد وفاة عبد الناصر. ومع ذلك يبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان هذا التحول حتميًا بحكم طبيعة النظام، أم أن استمرار عبد الناصر لسنوات أطول كان يمكن أن يفرض مسارًا مختلفًا على مصر والعالم العربي؟
اقرأ أيضاًقائد القوات البحرية المصرية في ذكرى إغراق إيلات: نعمل 365 يومًا سنويًا ونجمع بين الردع والمبادأة
أيزنهاور وانتصار الحق: حين أنقذ موقف أمريكا حلم عبد الناصر في استعادة قناة السويس!!
فى ذكرى الرحيل.. غابت ملامح بيت الزعيم عبد الناصر وبقيت السيرة والحكايات
