حكاية الأصول والقبائل العربية في مصر.. بين حقائق التاريخ وأساطير النسب – الأسبوع

حكاية الأصول والقبائل العربية في مصر.. بين حقائق التاريخ وأساطير النسب – الأسبوع

في السنوات الأخيرة، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، عاد الحديث بقوة في مصر عن الأصول والأنساب، وأصبحت كثير من العائلات تتحدث عن انتمائها إلى قبائل عربية قديمة، أو تؤكد أن جذورها تعود إلى مهاجرين قَدِمُوا من الأندلس عقب سقوط غرناطة عام 1492، بينما يربط آخرون أنفسهم بقبائل استقرت في البحيرة وغرب الدلتا والواحات والصعيد والأقصر، حتى أصبح السؤال عن الأصل القَبَلي حاضرًا بقوة في المجالس العائلية وعلى صفحات الإنترنت.

لكن هل تعكس هذه الروايات حقائق تاريخية موثقة، أم أن جزءًا منها ينتمي إلى الذاكرة الشعبية والأساطير الاجتماعية التي تناقلتها الأجيال؟

الحقيقة أن مصر، عبر آلاف السنين، لم تكن دولة قبائل بالمعنى المعروف في الجزيرة العربية، بل كانت دولة حضارة ومركزًا لاستقبال الشعوب والهجرات المختلفة. فمنذ العصر الفرعوني، مرورًا بالعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ظلت مصر بوتقة حضارية هائلة قادرة على استيعاب الوافدين وصهرهم داخل الشخصية المصرية.

وقد تناول العالِم الجليل الشهيد الدكتور جمال حمدان هذه القضية في موسوعته الشهيرة “شخصية مصر”.. مؤكدًا أن مصر تمتلك قدرة استثنائية على “تمصير” مَن يدخلها، وأن الوافدين إليها يتحولون مع الزمن إلى مصريين، أكثر مما تتحول مصر إلى امتداد لبلادهم الأصلية.

ومن المناطق التي أفرد لها جمال حمدان اهتمامًا خاصًّا منطقة الحوف الشرقي للدلتا، التي تضم أجزاء واسعة من محافظة الشرقية وتمتد إلى الإسماعيلية وبعض المناطق المجاورة لمحافظة الدقهلية، وقد وصفها بأنها البوابة الطبيعية التي دخلت منها القبائل العربية إلى مصر منذ الفتح الإسلامي.

واستقرت في تلك المناطق قبائل عربية عديدة، من بينها: جذام ولخم وقضاعة وبعض بطون طيء، الأمر الذي جعل محافظة الشرقية من أكثر المحافظات المصرية تأثرًا بالعنصر العربي من حيث الأسماء والعادات والتقاليد، وإن كانت تلك القبائل قد اندمجت تدريجيًّا داخل المجتمع المصري، حتى اختفتِ الفوارق القَبَلية القديمة.

وفي العصر الفاطمي، شهدت مصر موجة جديدة من الهجرات العربية، فبعد انتقال الخلافة الفاطمية من المغرب إلى القاهرة عام 969 ميلادية، أصبحت مصر مركز العالم الإسلامي الشيعي الإسماعيلي، ودخلت في منافسة سياسية ومذهبية مع الخلافة العباسية في بغداد.

وفي ظل هذا الصراع، فضَّلت بعض القبائل والجماعات العربية التي كانت تدين بالولاء للفاطميين أو تتعاطف معهم الانتقال إلى مصر والاستقرار فيها، هربًا من الصراعات السياسية والمذهبية التي كانت تعصف بالمشرق الإسلامي. كما شجعتِ الدولة الفاطمية استقرار القبائل العربية في مناطق متعددة من البلاد لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري.

ومع ذلك، فإن هذه الهجرات لم تكن كافية لتغيير الطبيعة السكانية الأساسية لمصر، بل انصهرتِ العناصر الجديدة في المجتمع المصري، وأصبحت جزءًا من نسيجه الحضاري.

ومن أكثر القصص تداولاً في السنوات الأخيرة، الادعاء بأن بعض العائلات المصرية تنحدر من مسلمي الأندلس الذين غادروا إسبانيا بعد سقوط غرناطة سنة 1492. ولا شك أن سقوط الأندلس كان من أكبر الكوارث التي تعرَّض لها المسلمون، إذ اضطر عشرات الآلاف إلى الهجرة نحو المغرب العربي، واستقر معظمهم في المغرب والجزائر وتونس.

غير أن بعض الأسر الأندلسية وصلت بالفعل إلى مصر، عبر الإسكندرية ورشيد وشمال الدلتا، واستقر بعضها في محافظة البحيرة وغرب الدلتا، بينما وصلت مجموعات أخرى إلى الواحات وبعض مدن الصعيد.

لكن المؤرخين يؤكدون أن الأعداد التي وصلت إلى مصر كانت محدودةً مقارنةً بمَن استقروا في بلاد المغرب، ولذلك فإن نسبة كل العائلات المصرية تقريبًا إلى الأندلس أمر يفتقر إلى الأدلة التاريخية، ما لم تدعمه وثائق أنساب ومصادر موثوقة.

كما شهدت مصر خلال العصرين المملوكي والعثماني هجرات عربية أخرى، خاصة من ليبيا وشمال إفريقيا، واستقرت قبائل عديدة في البحيرة ومطروح وغرب الدلتا، ومن أشهرها: أولاد علي، الجوازي، الحرابي، الهنادي، السمالوس، بالإضافة إلى امتدادات لبعض بطون بني سليم وبني هلال، وهي القبائل التي انتشرت فروع منها في الواحات والصعيد وقنا والأقصر وأسوان.

لكن هذه القبائل نفسها خضعت على مدى قرون طويلة لعمليات واسعة من المصاهرة والاندماج، حتى أصبح من الصعب الفصل بين المصريين على أساس الأصل العِرقي أو القَبَلي.

ويرى علماء الاجتماع أن ازدياد الاهتمام بالأنساب في العصر الحديث يعبر عن رغبة طبيعية لدى الإنسان في البحث عن الجذور والهوية، خاصة في عالم يشهد تغيرات متسارعة. غير أن بعض الروايات المتداولة تتحول أحيانًا إلى نوع من التفاخر الاجتماعي، أو محاولة للبحث عن مكانة رمزية من خلال الانتساب إلى أصول عربية أو أندلسية أو شريفة.

غير أن الدكتور جمال حمدان كان يرى أن عظمة مصر تكمن في قدرتها على استيعاب الجميع، وأن الشخصية المصرية ليست فرعونية خالصة، ولا عربية خالصة، ولا متوسطية خالصة، بل هي نتاج تفاعل حضاري وإنساني ممتد عبر آلاف السنين.

فالعرب الذين دخلوا مصر أصبحوا مصريين، والمماليك أصبحوا مصريين، والأتراك والشراكسة والأرمن واليونانيون وغيرهم ذابوا جميعًا داخل الشخصية المصرية، التي احتفظت بخصوصيتها رغم تعاقب الحضارات والشعوب.

ولهذا لم تعرف مصر في تاريخها الحديث دولة القبائل أو صراعات الأعراق، بل عرفت دولة المجتمع الواحد والحضارة الواحدة، وهو ما جعلها، كما وصفها جمال حمدان، “عبقرية المكان”، القادرة على تحويل التنوع إلى وحدة، والهجرات إلى عناصر إثراء، لا إلى أسباب للانقسام.

ومن هنا، فإن البحث عن الجذور حق مشروع، والاعتزاز بالأصول أمر طبيعي، لكن الحقيقة الأكبر تظل أن المصريين، مهما اختلفت أصول بعض أسرهم، تجمعهم هوية وطنية واحدة صنعتها آلاف السنين، وأن قيمة الإنسان لا يصنعها اسم القبيلة، بل يصنعها عطاؤه لوطنه ومجتمعه، لأن مصر كانت دائمًا أكبر من القبيلة، وأبقى من العصبية، وأوسع من حدود النسب والدم.. .، !!

Exit mobile version