هناك امتحانات تنتهي بانتهاء الزمن المحدد للإجابة، وأخرى تستمر سنوات طويلة دون أن يشعر بها أحد.
وإذا كان امتحان الكيمياء في الثانوية العامة 2026 قد أشعل موجة واسعة من الجدل، وأثار مشاعر الغضب والقلق والخوف بين الطلاب وأسرهم، فإن الامتحان الحقيقي ربما لم يبدأ داخل لجنة الامتحان، ولم تُكتب أسئلته على ورقة، ولم تُرصد درجاته في كشوف النتائج.
إنه الامتحان الذي يخوضه آلاف الأبناء بصمت، حين يُطلب منهم أن يعيشوا حياة اختارها لهم غيرهم، وأن يطاردوا حلمًا لم يكن يومًا حلمهم، وأن يحملوا على أكتافهم توقعات أسرة ومجتمع، وأب أو أم بينما تتراجع أصواتهم شيئًا فشيئًا حتى تكاد تختفي وتقهر.
ولعل أكثر ما يؤلم في مشاهد الانهيار أمام لجان الامتحانات ليس الدموع نفسها، بل احتمال أن تكون تلك الدموع قد بدأت قبل سنوات، يوم تحولت ميول طالب صغير إلى مجرد رأي يمكن تجاهله، وتحولت رغبته إلى تفصيل لا يستحق النقاش، بينما أصبح مستقبله قرارًا يتخذه الجميع.. .إلا هو.
حين تتحول الأحلام إلى أوامر
الحقيقة السوداء التي يتوارثها البعض
نجد في كثير من البيوت العربية، لا يزال اختيار التخصص الدراسي يُنظر إليه باعتباره قرارًا عائليًا أكثر منه قرارًا شخصيًا.
لا لأن الآباء لا يحبون أبناءهم، بل لأنهم يحبونهم أحيانًا بالطريقة التي يرونها هم، لا بالطريقة التي يحتاجها الأبناء.
فيُقال للطالب إن شعبة العلمي أكثر قيمة، وإن كلية بعينها وحدها تضمن المستقبل، وإن النجاح لا يكتمل إلا إذا انتهى اسمه بلقب اجتماعي محدد.
وبين الخوف على المستقبل، وضغط المقارنات، والرغبة في المكانة الاجتماعية، تضيع حقيقة شديدة البساطة: لا أحد يستطيع أن يبدع في حياة لا يشعر بأنها حياته من صنع قراراته وشغفة وحبة.
وهكذا يجد بعض الطلاب أنفسهم يسيرون في طريق مرسوم بعناية.. .لكنه لا يشبههم.
حين يغيب الشغف.. .يحضر الاستنزاف
لا يحتاج الإنسان إلى قوة خارقة كي ينجح، لكنه يحتاج إلى سبب يجعله يقاوم.
وهذا السبب هو الشغف.
وتؤكد دراسات علم النفس التربوي أن الدافعية الداخلية من أهم العوامل المرتبطة بالتفوق الأكاديمي والاستمرار في التعلم، بينما يؤدي إجبار الطالب على دراسة تخصص لا يتوافق مع ميوله إلى تراجع الحافز، وضعف الإنجاز، وارتفاع احتمالات القلق والاحتراق النفسي.
ولذلك، فإن كثيرًا من الأزمات التي تبدو مرتبطة بالامتحانات تكون في حقيقتها نتيجة سنوات من السير في طريق لا يمنح صاحبه معنى أو انتماء.
الامتحان ليس أصل الأزمة
من السهل أن نحمّل ورقة الامتحان كل المسؤولية.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالامتحان الصعب قد يرهق الجميع، لكنه لا يفسر وحده لماذا ينهار بعض الطلاب أكثر من غيرهم.
الفرق أحيانًا أن هناك من يدخل اللجنة وهو يدافع عن حلمه، وهناك من يدخلها وهو يحاول إثبات أنه يستحق حلمًا اختاره له الآخرون.
وهنا يصبح كل سؤال أكبر من مجرد سؤال، وكل درجة أكبر من مجرد درجة، لأن الطالب لا يخشى الرسوب في مادة فقط، بل يخشى أن يسقط في نظر من أقنعوه بأن قيمته مرتبطة بنتيجة واحدة.
الضغوط التي لا تُرى
للضغوط النفسية وجه لا تلتقطه الكاميرات.
وجه يظهر في الأرق، وفي القلق المستمر، وفي فقدان الثقة بالنفس، وفي الشعور بالعجز، وفي العزلة، وفي الصمت الطويل الذي يسبق الانهيار واحيانا فقدان الحياة لاقدر الله.
ويحذر الأطباء النفسيون من أن استمرار هذه الضغوط دون احتواء أو دعم قد يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية، وقد يتطلب تدخلًا متخصصًا، خاصة لدى المراهقين.
كما تؤكد الجهات الصحية الدولية أن إيذاء النفس والانتحار بين الشباب ظواهر معقدة ومتعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل نفسية وأسرية واجتماعية ودراسية، ولا يمكن تفسيرها بسبب واحد فقط.
ولهذا، فإن التقليل من معاناة الطلاب، أو اختزالها في عبارة مثل “شد حيلك”، قد يحجب المشكلة الحقيقية بدلًا من معالجتها.
الإعلام.. بين نقل المشهد وصناعة الوعي
تغطية دموع الطلاب مهمة، لكنها ليست كافية.
فما يحتاجه المجتمع أكثر من صور الانهيار، هو حوار صادق حول معنى النجاح.
نحتاج إلى إعلام يرسخ ثقافة التوجيه المهني، ويعيد الاعتبار لكل المهن، ويؤكد أن قيمة الإنسان لا يصنعها اسم الكلية، وإنما ما يقدمه بعلمه وإبداعه وإخلاصه.
كما تحتاج المدارس إلى تعزيز دور الأخصائيين النفسيين، وإتاحة أدوات علمية تساعد الطلاب على اكتشاف ميولهم وقدراتهم الحقيقية قبل اختيار مساراتهم الدراسية.
مجتمع يقيس النجاح بطريقة مختلفة
لقد اعتدنا، لسنوات طويلة، أن نختزل النجاح في رقم، وأن نختزل الإنسان في مجموع، وأن نختزل المستقبل في اسم كلية.
لكن المجتمعات التي صنعت نهضتها لم تفعل ذلك.
لقد استثمرت في الإنسان، لا في القوالب الجاهزة.
وأدركت أن الطبيب المتميز، والمهندس المبدع، والمعلم الملهم، والكاتب، والفنان، والمبرمج، والباحث، جميعهم يشكلون معًا ملامح الوطن الذي يريد أن يتقدم.
فلا توجد مهنة صغيرة حين يؤديها صاحبها بإتقان، ولا توجد كلية تمنح الإبداع لمن لا يحب ما يدرسه.
الكلمة الأخيرة
بعد كل حالة بكاء أمام لجنة امتحان، وبعد كل طالب يخرج وهو يشعر أن الحياة أغلقت أبوابها في وجهه، ربما يكون من الإنصاف أن نتوقف قليلًا قبل أن نحاكم ورقة الأسئلة.
ونسأل أنفسنا سؤالًا أكثر شجاعة:
كم مرة سألنا أبناءنا عمّا يحبونه حقًا؟
وكم مرة أنصتنا إليهم قبل أن نقرر مصيرهم؟
ربما لن نستطيع أن نجعل كل امتحان سهلًا، ولن نملك أن نضمن طريقًا خاليًا من التحديات، لكننا نستطيع أن نمنح أبناءنا شيئًا أثمن من الدرجات.. .أن نمنحهم حق الاختيار فهو حق أصيل يعبر عن معني الحياة ومعني السعادة الحقيقية.
فالأبوة والأمومة ليستا أن نصنع من أبنائنا نسخًا من أحلامنا، بل أن نساعدهم على اكتشاف أحلامهم هم.
وعندما يحدث ذلك، لن يصبح النجاح مجرد مجموع، ولن تكون الجامعة مجرد محطة، بل بداية رحلة يعيشها الإنسان وهو مؤمن بما يفعل، لا مجبر عليه.
لأن الوطن لا يحتاج إلى آلاف الخريجين الذين ساروا في الطريق نفسه، بقدر ما يحتاج إلى إنسان يعرف نفسه، ويحب ما يصنع، ويجد في عمله رسالة قبل أن يكون وظيفة.
وربما يكون أعظم امتحان نواجهه نحن الكبار، ليس امتحان الكيمياء ولا الثانوية العامة، بل قدرتنا على أن نحب أبناءنا بما يكفي وبما يليق بهم لنثق في أحلامهم، لا في أحلامنا نحن.
اقرأ أيضاًفي ذكرى 30 يونيو.. كيف تغيّرت مصر؟ ولماذا يجب الحفاظ على ما تحقق؟
