مقالات

آخر الزمان بين العقيدة والجيوسياسية.. كيف أصبحت النبوءات لاعبًا في السياسة الدولية؟

لم تعد فكرة آخر الزمان مجرد موضوع ديني يقتصر على كتب العقيدة، بل أصبحت خلال العقود الأخيرة حاضرة في النقاشات السياسية والجيوسياسية، خاصة مع تصاعد الحروب والأزمات الدولية. فكلما اهتز النظام العالمي، عاد الحديث عن النبوءات، وامتلأت المكتبات بكتب تفسر الأحداث الجارية باعتبارها مقدمات للنهاية الكبرى.

وتكاد الديانات الإبراهيمية الثلاث تتفق على أن التاريخ لا يسير إلى الفوضى المطلقة، وإنما إلى لحظة فاصلة ينتصر فيها الحق على الباطل، وإن اختلفت في تفاصيل هذه النهاية.

في الفكر الشيعي الإمامي، يمثل الإمام المهدي الغائب محور الرؤية الإسخاتولوجية، إذ يُعتقد أنه سيظهر في زمن تمتلئ فيه الأرض ظلمًا ليقيم العدل الإلهي. وترتبط هذه العقيدة بعلامات عديدة وردت في التراث الشيعي، مثل اشتداد الفتن وخروج السفياني والنداء السماوي وخسف البيداء، مع اختلاف العلماء في تفسيرها بين القراءة الحرفية والرمزية.

أما في العقيدة الإسلامية السنية، فيؤمن المسلمون بظهور المهدي ونزول السيد المسيح عيسى بن مريم، ثم المواجهة مع الدجال قبل قيام الساعة، مع التأكيد أن توقيت هذه الأحداث من علم الله وحده، وأن تحديدها أو الجزم بوقوعها في زمن معين أمر لا يستند إلى دليل قاطع.

وفي المسيحية، تقوم العقيدة الإسخاتولوجية على الإيمان بالعودة الثانية للمسيح، يعقبها الحساب الأخير وانتصار الخير على الشر. بينما تنتظر اليهودية مجيء “الماشيح”، الذي يقيم عصرًا جديدًا من السلام وفق معتقدها، وهو ما يجعل فكرة المخلّص المنتظر عنصرًا مشتركًا بين الأديان، رغم اختلاف الرؤية اللاهوتية لكل منها.

لكن التحول الأخطر بدأ عندما انتقلت هذه الأفكار من الكتب الدينية إلى ساحات السياسة الدولية.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم الغزو الأمريكي للعراق، وبعدها أحداث الربيع العربي، شهد العالم موجة واسعة من الكتب والمحاضرات التي ربطت الوقائع السياسية بعلامات آخر الزمان. وكان من أبرز من قدموا هذا الاتجاه الباحث حسين عمران، الماليزي الأصل والمقيم في الولايات المتحدة، الذي طرح قراءات تربط التحولات في الشرق الأوسط بروايات آخر الزمان. وقد لاقت هذه الطروحات رواجًا لدى بعض المتابعين، كما تعرضت في المقابل لانتقادات من علماء وباحثين أكدوا أن إسقاط النصوص الغيبية على الوقائع السياسية يبقى اجتهادًا غير يقيني، وأن التاريخ شهد مرارًا تفسيرات مشابهة لم تتحقق كما توقع أصحابها.

وأثناء إقامتي في أوروبا، أتيحت لي فرصة حضور عدد من الندوات وحلقات النقاش داخل بعض المراكز الإسلامية، بالتزامن مع أحداث عالمية متسارعة، وفي مقدمتها الربيع العربي. وكانت قضية آخر الزمان حاضرة بقوة في تلك النقاشات، كما طُرحت قراءات حسين عمران بوصفها إحدى المحاولات لفهم التحولات التي شهدتها المنطقة. ومن خلال متابعتي لهذه الحوارات، ومن موقعي كباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، أدركت أن أهمية هذه الأطروحات لا تكمن في الجزم بصحتها أو نفيها، وإنما في فهم تأثير المعتقدات الدينية في تشكيل الوعي السياسي، وكيف يمكن أن تنعكس على تفسير الصراعات الدولية لدى قطاعات من الرأي العام.

ومع الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة، والتوتر بين إسرائيل وإيران، والتنافس الأمريكي الصيني، عاد الحديث بقوة عن اقتراب “الحرب الكونية”، وكأن البشرية تعيش على إيقاع انتظار دائم للنهاية.

ومن منظور الجيوسياسية، لا تتحرك الدول الكبرى بدافع النبوءات، بل وفق حسابات القوة والمصالح والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية والنفوذ الاقتصادي. غير أن بعض الفاعلين السياسيين قد يستحضرون الخطاب الديني أو الرموز العقائدية لحشد الأنصار أو منح قراراتهم بعدًا أخلاقيًا أو تاريخيًا، وهو ما يجعل التمييز بين الاعتقاد الديني والتحليل السياسي أمرًا بالغ الأهمية.

ومن القضايا التي أثارت اهتمام الباحثين أيضًا تأثير بعض التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي ترى أن أحداث الشرق الأوسط قد ترتبط بنبوءات دينية عن المراحل الأخيرة من التاريخ. كما أن بعض التيارات الدينية داخل إسرائيل تنظر إلى قيام الدولة والتوسع في بعض المناطق من منظور ديني يرتبط بفكرة الخلاص. ومع ذلك، فإن هذه الرؤى لا تمثل جميع المسيحيين أو جميع اليهود، ولا تعبر بالضرورة عن السياسات الرسمية للدول، بل هي اجتهادات وتيارات تختلف في حجم تأثيرها من مرحلة إلى أخرى.

فلسفيًا، تكشف الإسخاتولوجيا عن حاجة الإنسان إلى إيجاد معنى وسط الفوضى. فعندما تتكاثر الحروب، وتنهار القيم، وتزداد الأزمات الاقتصادية والمناخية، يبحث العقل عن تفسير يتجاوز الحدث السياسي إلى رؤية شاملة للتاريخ. ولهذا ظهرت موجات متكررة من التنبؤ بقرب نهاية العالم بعد الحربين العالميتين، وخلال الحرب الباردة، وبعد جائحة كورونا، ومع كل أزمة دولية كبرى.

غير أن التاريخ يعلمنا درسًا مهمًا، وهو أن معظم الأجيال اعتقدت أنها تعيش آخر الأزمنة، ثم استمرت الحياة، وتبدلت موازين القوى، وسقطت إمبراطوريات، وظهرت أخرى.

إن الإيمان بالغيب يمثل ركنًا من أركان العقائد الدينية، لكنه يختلف عن التحليل السياسي الذي يقوم على دراسة الوقائع وموازين القوى. والخطأ يبدأ عندما تتحول النبوءات إلى أدوات لتفسير كل حرب أو كل أزمة، أو عندما تصبح بديلاً عن التفكير العلمي والنقدي.

ويبقى السؤال الأهم: هل المطلوب أن ننشغل بتحديد موعد النهاية، أم أن نسعى إلى منع نهاية القيم والأخلاق والعدالة في عالم يموج بالصراعات؟

ربما تكون الرسالة الأعمق في عقائد آخر الزمان هي أن الإنسان مسؤول عن إصلاح واقعه، وأن انتظار العدالة لا يكتمل إلا بالسعي إليها. فالتاريخ لا يصنعه المنتظرون وحدهم، بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يؤمنون بأن بناء السلام والعدل هو الطريق الحقيقي لمواجهة الفوضى، مهما كانت طبيعة النهايات التي تنتظر البشرية.

اقرأ أيضاًالقذافي في أول قمة عربية.. عندما دخل العقيد قصر الملوك بلا بروتوكول!!

أوروبا تحترق.. حين تغضب الأرض من الإنسان

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts