تكتسب التوجيهات الرئاسية الأخيرة أهمية استراتيجية قصوى بالنظر إلى توقيت صدورها وملامستها المباشرة لعمق المشهد الوطني، حيث رسمت بوضوح ملامح مسار إنقاذي يتكامل فيه البُعد الاقتصادي الشامل، والتمكين الممنهج للقطاع الخاص، والتنشيط السياسي والمحلي، وصولاً إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطن، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الحزمة الطموحة تظل رهناً بآليات تنفيذها، فالعجز عن تفكيك هذه التوجيهات وتحويلها إلى واقع ملموس قد يضع مقدرات الوطن بأسرها في مهب مخاطر حقيقية.
لقد أصاب الرئيس جوهر الأزمة حينما جعل الحرب على الفساد ركيزة أساسية، بيد أن القراءة العلمية لتحديات الدولة المصرية تحتم علينا تجاوز المفهوم الضيق للفساد المتمثل في الرشوة والمحسوبية، والالتفات إلى الفساد الهيكلي الأعمق، وهو فساد البيروقراطية العتيقة والترهل الإداري، ومقاومة العنصر البشري لأي تحديث بدافع الخوف على مكتسبات قديمة، مما يشكل حائط صد منيعاً يحول دون نجاح أي برنامج إداري أو اقتصادي.
إن المخرج العلمي والعملي الوحيد لهذه المعضلة يكمن في إحداث عملية رقمنة شاملة وإحلال وتجديد جذري لبنية المؤسسات، وهي تجربة أثبتت كفاءتها المطلقة في دول الخليج العربي، لاسيما في المملكة العربية السعودية، فبالرغم من اتكاء منظومتها التاريخية على قواعد البيروقراطية الإدارية ذاتها، إلا أنها استطاعت تجاوزها بمرونة فائقة عبر استراتيجية «التهجين الإداري». وتعتمد هذه الرؤية على تأسيس كيانات وشركات شبه حكومية تدار بعقود عمل مرنة وكوادر بشرية وعلمية على أعلى مستوى بنظام أجور وتشغيل متطور، لتشكل هذه الكيانات ظهيرا مساندا للمؤسسات الرسمية، وتتحول تدريجيا وبمرور السنوات إلى الهيكل الأساسي للدولة، تزامنا مع إسناد إدارة وتشغيل المرافق الحيوية كالمطارات والموانئ والمستشفيات إلى شركات القطاع الخاص الكبرى تحت المظلة الرقابية والسيادية للدولة.
ولتحقيق هذا التحول على أرض الواقع المصري، تبرز أطروحة عملية تتمثل في تأسيس شركة مساهمة كبرى تحمل اسم «تحيا مصر»، تُطرح نسبة خمسين بالمئة من أسهمها للمصريين في الخارج ورجال الأعمال الوطنيين، وتؤول النسبة المتبقية للدولة، بحيث يتم تأسيس فرع حيوي لهذه الشركة في كل محافظة، يرتكز دوره على محورين، الأول هو القيام بدور الكيان شبه الحكومي الذي يفرخ شركات تخصصية تقود عملية الرقمنة والتهجين الإداري واستقطاب الكفاءات الرفيعة، والثاني هو التوطين الاقتصادي والإنتاجي لكل محافظة بناءً على ما تزخر به من موارد وثروات طبيعية وبشرية.
ويتكامل هذا التصميم الاستثماري مع ثورة حقيقية في فلسفة الإدارة المحلية تتواكب مع الترتيب لانتخابات المحليات، بحيث تُمنح هذه الشركة بالتعاون مع أجهزة الدولة صلاحيات لإعادة صياغة آلية اختيار المحافظين وفِرق عملهم، من خلال طرح منصب المحافظ في مسابقات وظيفية وطنية علنية تخضع لشروط علمية وعملية صارمة، حيث تُتاح للمتقدمين ملفات شاملة عن واقع المحافظة ومواردها، ليقدم كل مرشح مشروع عمل متكاملاً ومتنوعاً يلتزم بتنفيذه وفق مؤشرات أداء دقيقة تحت قيادة وإشراف شركة «تحيا مصر».
إن التوجيهات الرئاسية الراهنة تمثل طوق نجاة حقيقي، لكن العبور الآمن صوب المستقبل يتطلب شجاعة الاعتراف بأن الأدوات الإدارية القديمة لن تصنع واقعا جديدا، وأن مجابهة الترهل والجمود البشري تقتضي تبني نموذج الشركات شبه الحكومية وإشراك القطاع الخاص في الإدارة، وتدشين الكيانات التنموية الإقليمية، لنضمن ترجمة هذه الرؤية السياسية إلى نهضة حقيقية يلمسها الوطن والمواطن على حد سواء.
أبو الغيط يحذر من الآثار الخطيرة للتغلغل الإسرائيلي في القرن الإفريقي
أبو الغيط يلتقي رئيس إقليم كردستان العراق على هامش منتدى أنطاليا للدبلوماسية
الجامعة العربية تدين الهجوم الإيراني على الكويت وتؤكد تضامنها الكامل معها









