هناك صور لا تحتاج إلى شرح، لأنها تقول كل شيء في لحظة واحدة. وصورة حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، وهو يرفع ذراعيه في مواجهة الحكم الفرنسي الذي أدار مباراة مصر والأرجنتين في دور الستة عشر لكأس العالم 2026، بينما ترتفع البطاقة الصفراء في وجهه، ليست مجرد لقطة من مباراة، بل واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن بطولة كأس العالم.
المفارقة أن حسام حسن لم يبتكر هذه الإشارة، بل استخدم الرمز الذي اعتمده الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2024 باعتباره إشارة عالمية لرفض الظلم والعنصرية والتمييز. الإشارة التي أرادت الفيفا أن تقدمها للعالم باعتبارها رسالة أخلاقية، تحولت في هذه اللحظة إلى تهمة استوجبت العقاب. رفع المدرب المصري شعار الفيفا، فجاءه الرد من الفيفا نفسها، عبر حكم المباراة، ببطاقة صفراء.
أي عبث أكبر من هذا؟
هذه الصورة لا تختصر مباراة فقط، بل تختصر بطولة كاملة تُقام على الأراضي الأمريكية، في وقت تزداد فيه الأسئلة حول انتشار العنصرية وازدواجية المعايير.
بطولة امتلأت بالشعارات البراقة، بينما امتلأت ملاعبها بقرارات تحكيمية أثارت غضب الجماهير والمتابعين.
وإذا كانت هذه الصورة قد اختزلت مشهد البطولة، فإن ما جرى داخل الملعب فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات. فما حدث لم يكن مجرد أخطاء تحكيمية عابرة، بل سلسلة من القرارات التي غيرت نتيجة المباراة ومنحت الأرجنتين بطاقة التأهل، حتى بدا وكأن المباراة تُدار وفق سيناريو مكتوب سلفًا. وعندما تكون البطولة محاطة بمليارات الدولارات من عقود الرعاية والإعلانات وحقوق البث، يصبح من حق الجماهير أن تتساءل: هل ما زالت كرة القدم وحدها هي التي تحدد هوية المتأهلين، أم أن المصالح الاقتصادية أصبحت لاعبًا خفيًا داخل الملعب؟
فالأرجنتين ليست منتخبًا عاديًا، بل بطل العالم وأحد أكبر الأسماء الجاذبة للمشاهدات والرعاة. ومن الطبيعي أن يثير استمرارها في البطولة اهتمامًا تجاريًا وإعلاميًا هائلًا.
ومع تكرار القرارات المثيرة للجدل، تتسع مساحة الشك، وتتعرض نزاهة المنافسة لاهتزاز خطير، خاصة أن مئات الملايين من المشاهدين تابعوا الفضائح التحكيمية لحكم المباراة الفرنسي، والتي صبت كلها لصالح منتخب الأرجنتين.
في لحظة واحدة، وقف المدير الفني لمنتخب مصر رافعًا شعار «لا للظلم»، بينما وقفت المنظومة كلها في الاتجاه المقابل. وعندما تصبح العدالة شعارًا للتسويق أكثر منها قيمة تُطبق داخل الملعب، فإن البطولة تفقد جوهرها، مهما بلغت قيمة جوائزها أو عقود رعاتها أو أرقام مشاهديها. فالتاريخ لا يتذكر الحملات الإعلانية، ولا يتذكر بيانات العلاقات العامة، بل يتذكر الصور التي كشفت الحقيقة.
وهذه الصورة لن تبقى مجرد لقطة عابرة في سجل كأس العالم، بل ستظل شاهدًا على بطولة ستطاردها الأسئلة حول معنى العدالة والنزاهة. فالسؤال الذي سيبقى يلاحق الفيفا ليس عن نتيجة مباراة فقط، بل عن مستقبل اللعبة نفسها:
هل ما زالت كرة القدم تُحسم داخل المستطيل الأخضر بعرق اللاعبين وقراراتهم.. .أم أن الحسابات التجارية، وضغوط الرعاة، وأموال المراهنات أصبحت شريكًا خفيًا في تحديد من يبقى ومن يرحل قبل أن تبدأ المباريات؟
