في لحظات فارقة من التاريخ، لا تبدأ الحروب الكبرى بإطلاق الرصاصة الأولى، وإنما تبدأ حين يعتقد كل طرف أنه قادر على فرض إرادته بالقوة، وأن خصمه سيتراجع قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وعندما تتقدم السياسة بخطوات متعثرة، تتقدم الجيوسياسية لتفرض منطقها القاسي، فتتحول الخرائط إلى ميادين صراع، وتصبح الشعوب وقودًا لمعارك لم تخترها.
اليوم يقف الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود، فالمشهد لم يعد مجرد أزمة عابرة أو مواجهة محدودة، بل أصبح صراعًا مفتوحًا تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيه مشاريع النفوذ الإقليمي مع رهانات القوى الدولية، إنها رقعة شطرنج مشتعلة، يتحرك فوقها اللاعبون الكبار، بينما تتلقى شعوب المنطقة الضربة تلو الأخرى.
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تدور فقط حول احتلال الأرض، وإنما حول السيطرة على الممرات البحرية، والطاقة، وخطوط التجارة، وموازين الردع.
ولذلك فإن كل تحرك عسكري في هذه المنطقة يتجاوز حدوده الجغرافية، ليمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق المال والغذاء والطاقة.
ولعل أخطر ما يلوح في الأفق هو انتقال الصراع من ساحات المواجهة التقليدية إلى شرايين الاقتصاد العالمي.
فالحديث المتصاعد عن احتمال إغلاق مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، يضع العالم أمام معادلة بالغة الخطورة.
فهاتان البوابتان تمثلان أحد أهم الممرات التي تعبر منها التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وأي اضطراب فيهما يعني ارتفاعًا حادًا في تكاليف النقل والتأمين، وتعطلًا لسلاسل الإمداد، وقفزات جديدة في أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية، وهو ما ستدفع ثمنه الاقتصادات النامية قبل غيرها.
وفي الوقت نفسه، فإن اتساع دائرة المواجهة لتشمل تعرض دول الخليج للقصف أو الاستهداف العسكري يحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.
فدول الخليج ليست مجرد مساحة جغرافية، بل تمثل قلب منظومة الطاقة العالمية، وأي تهديد لمنشآتها النفطية أو لموانئها أو لبنيتها التحتية ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الدولية، وقد يعيد العالم إلى أزمات طاقة وتضخم وركود اقتصادي لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة.
إن أخطر ما في المشهد ليس حجم القوة العسكرية، وإنما غياب اليقين. فكل طرف يعتقد أنه يمتلك زمام المبادرة، بينما تزداد احتمالات سوء التقدير السياسي والعسكري، والتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما اندلعت بسبب قراءة خاطئة لنوايا الخصوم، أو بسبب الثقة المفرطة في القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
ومن هنا، فإن الشرق الأوسط لم يعد يعيش صراعًا بين دولتين أو أكثر، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتتصادم فيها المصالح الدولية والإقليمية، بينما تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، وتتحول الموانئ والمضائق إلى أوراق تفاوض، ويصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من ساحة المعركة.
وسط هذا المشهد، يبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر، فهو لا يبحث عن خرائط جديدة، ولا عن مناطق نفوذ، بل يبحث عن الأمن والاستقرار وفرصة العمل والحياة الكريمة. لكن نيران الصراعات لا تفرق بين جندي ومدني، ولا بين دولة قوية وأخرى ضعيفة، عندما تخرج الحرب عن حدود السيطرة.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن القوة وحدها لا تصنع سلامًا، وأن المغامرات العسكرية قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع أزمات تمتد لعقود.
وكلما اتسعت رقعة النار، تقلصت فرص الحلول السياسية، وأصبح وقف الحرب أكثر صعوبة وكلفة.
إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الجبهات، ولا إلى مزيد من استعراض القوة، بل تحتاج إلى عقل سياسي يدرك أن استمرار التصعيد قد يحول الشرق الأوسط إلى بؤرة انفجار دائم، يدفع العالم كله ثمنه.
فالحرب، إذا انفلتت من عقالها، لن تتوقف عند حدود دولة أو ممر مائي، بل ستطال الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار التجارة الدولية، وستفتح أبوابًا قد يصعب إغلاقها لسنوات طويلة.
لقد أصبحت رقعة الشطرنج مشتعلة بالفعل، وكل حجر يتحرك فوقها قد يغير توازنات المنطقة والعالم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ينتصر صوت الحكمة قبل أن تصل المنطقة إلى نقطة اللاعودة، أم أن الجميع يمضي، بإرادته أو رغمًا عنه، نحو حرب تأكل اليابس والأخضر، ولا تترك خلفها سوى الخراب؟. (كاتب وباحث في الجيوسياسية والعلاقات الدولية»
اقرأ أيضاً«أمن الخليج خط أحمر».. مصطفى بكري يحذر من تداعيات التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران
