ثورة يوليو.. قبل أن تلعنوها اسألوا الفلاح المصري كيف كان يعيش – الأسبوع

ثورة يوليو.. قبل أن تلعنوها اسألوا الفلاح المصري كيف كان يعيش – الأسبوع

كل عام، ومع حلول ذكرى ثورة 23 يوليو، تتجدد حملات الهجوم عليها، وكأن مصر قبل عام 1952 كانت جنة للعدالة الاجتماعية، وكأن الفلاح كان يعيش في رخاء، والعامل ينعم بحقوقه، والإنسان البسيط يجد فرصة عادلة للحياة. لكن التاريخ لا يُكتب من شرفات القصور، بل من عرق الفلاحين، ودموع العمال، وصرخات المهمشين.

وقبل أن نحاكم ثورة يوليو، علينا أن نسأل: كيف كان يعيش ملايين المصريين قبلها؟ ومن كان يملك الأرض؟ ومن كان يملك السلطة؟ ومن كان يملك حق التعليم والعلاج والحياة؟

تكفي رواية «الحرام» للأديب الكبير يوسف إدريس لتكون شهادة أدبية على واقع اجتماعي قاسٍ سبق الثورة، فهي ليست مجرد رواية، بل وثيقة إنسانية تكشف عالم عمال التراحيل والغرباوية الذين كانوا ينتقلون من حقل إلى آخر بحثًا عن لقمة العيش، بلا حماية ولا كرامة ولا حقوق.

في قراءتي للرواية، لم تكن مأساة عزيزة مجرد قصة امرأة تعرضت للاغتصاب، وإنما كانت رمزًا لوطن اغتُصب فيه الفقراء قبل أن تُغتصب هي، كانت ضحية لنظام اجتماعي جعل الإنسان الفقير بلا قيمة، وحوّل عمال التراحيل إلى أرقام تعمل في الحقول ثم تختفي من ذاكرة المجتمع.

وعندما أنجبت طفلها في حقل القطن، ثم خنقته خوفًا من العار، لم يكن ذلك الطفل في رمزيته سوى مولود لنظام اجتماعي فقد إنسانيته قبل أن يفقد شرعيته. كانت صرخته صرخة ملايين المعدمين، وكأنها إعلان بأن الظلم لا يدوم، وأن رحم المعاناة قادر على أن يلد ثورة.

وجاءت ثورة يوليو لتبدأ واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع الثروة في تاريخ مصر الحديث، فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي، الذي حدّ من احتكار الأرض الزراعية، ووزع مساحات واسعة على الفلاحين المعدمين، بعد أن كانت ملكيتها محصورة في أيدي عدد محدود من كبار الملاك.

كما فتحت الثورة أبواب التعليم المجاني أمام أبناء الفقراء، وأتاحت لهم دخول الجامعات، ووسعت فرص التوظيف في أجهزة الدولة، وأقامت مشروعات صناعية كبرى، ووفرت قدرًا أكبر من الحماية الاجتماعية مقارنة بما كان قائمًا قبلها.

هذه الإنجازات لا تعني أن الثورة كانت بلا أخطاء، لكنها تعني أن الصورة ليست سوداء كما يحاول البعض تصويرها، وليست بيضاء كما يصورها آخرون، فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق التقديس أو الشيطنة، وإنما بالميزان والإنصاف.

في قريتنا، ما زال كبار السن يتحدثون عن أرض المعدمين، وعن عمال التراحيل الذين كانوا يعملون في أراضي الخاصة الملكية في ظروف قاسية. ويروي بعضهم كيف كان يُنظر إليهم باعتبارهم طبقة أدنى، حتى إن كلمة «أولاد التراحيل» كانت تُستخدم على سبيل الانتقاص، وكأن الفقر جريمة لا ذنب لهم فيها.

والمفارقة أن بعض أبناء هؤلاء الفقراء أصبحوا اليوم يهاجمون الثورة التي منحت آباءهم قطعة أرض، أو فرصة تعليم، أو بابًا للخروج من دائرة الفقر. يرتدون جلباب الطبقة الأرستقراطية، بينما ينسون أن آباءهم كانوا قبل يوليو لا يملكون إلا قوة أيديهم.

إن عبد الناصر لم يكن نبيًا ولا قديسًا، بل قائدًا سياسيًا له ما له وعليه ما عليه. أخطأ في ملفات، وأصاب في أخرى، وهذا ما يقوله التاريخ المنصف. لكن من الظلم أن نمحو إنجازات اجتماعية غيّرت حياة ملايين المصريين، فقط لأننا نختلف حول سياسات أو قرارات أخرى.

إن الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح فريسة للدعاية، ولذلك فإن قراءة التاريخ مسؤولية، لا وسيلة لتصفية الحسابات السياسية.

وقبل أن يلعن أحد ثورة يوليو، فليسأل أباه أو جده: كيف كانت حياة الفلاح قبلها؟ وكيف أصبح حاله بعدها؟ وليقرأ شهادات الأدباء والمؤرخين، لا منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.

فالتاريخ لا يكتبه الغاضبون وحدهم، بل يكتبه أيضًا الذين عاشوا المعاناة، ودفعوا ثمن الظلم، وشهدوا لحظة التغيير.

اقرأ أيضاًثورة 23 يوليو.. حين استعادت مصر قرارها وأعادت رسم خريطة العرب 1-2

أشهر «لا» في تاريخ مصر.. قصة برج القاهرة وثورة 23 يوليو (فيديو)

7 رسائل للرئيس السيسي في الذكرى 74 لثورة 23 يوليو

Exit mobile version