هناك حروب لا تبدأ بصوت المدافع، ولا تتحرك فيها الدبابات، ولا تُطلق فيها رصاصة واحدة، لكنها قد تكون أشد خطورة وتأثيرًا من الحروب التقليدية، لأنها تستهدف الإنسان من الداخل، وتعمل على تغيير طريقة تفكيره، وتشويه وعيه، وإعادة تشكيل نظرته إلى وطنه وتاريخه وقيمه، حتى يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع.
فى الأسبوع الماضي قرأت مقالا عن أحد ضباط قسم الدعاية والإعلام التابع لمخابرات احدى الدول، والمقال هنا ليس عن خططه الجبارة لسرقة المخططات العسكرية كما نعرف عن أعمال المخابرات بل كان لشيئا آخر أكثر خطورة من سرقة هذه الوثائق فقد كان مسؤولاً عن تغيير إدراك الشعوب وتزييف وعيها دون إطلاق رصاصة واحدة.
وتحت ما يسمى «التخريب الأيديولوجي» أو «الحرب النفسية»، يتم تداول تصور يقوم على أربع مراحل متتابعة، هدفها في النهاية التأثير في وعي المجتمع وإضعاف قدرته على المقاومة الفكرية والنفسية، حتى يصبح تغيير اتجاهاته ومواقفه أسهل من مواجهته بالقوة المباشرة وهذه المراحل هي:
أولاً: إسقاط القيم والأخلاق وتستغرق هذه المرحلة من 15 إلى 20 سنة (وهي المدة اللازمة لتربية جيل واحد من الطلاب). يتم خلالها اختراق التعليم، والإعلام، والدين، والفن.. والهدف هو تدمير المنظومة الأخلاقية للبلد، وزعزعة إيمانه بقيمه وتاريخه، حتى يصل المجتمع إلى مرحلة يعجز فيها عن تمييز الحق من الباطل، مهما قُدمت له من حقائق
وهنا تكمن خطورة هذه المرحلة، لأنها لا تستهدف مؤسسة واحدة أو فئة محددة، وإنما تستهدف منظومة القيم التي تشكل وعي الإنسان منذ طفولته، فحين يفقد المجتمع ثقته في تاريخه، ويصبح أبناؤه غير قادرين على التمييز بين الحقيقة والزيف، ويجري التعامل مع الأخلاق باعتبارها مجرد وجهات نظر قابلة للتغيير، فإن المجتمع يصبح أكثر عرضة للتأثر بأي خطاب أو دعاية أو معلومات مضللة.
ثانياً: زعزعة الاستقرار وتستغرق من 2 إلى 5 سنوات، وهنا ينتقل التركيز إلى المؤسسات، حيث يتم استهداف الاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والأنظمة الدفاعية.. يُشحن المجتمع بالصراعات الداخلية (العرقية أو الحزبية)، وتُضعف السلطة، وتدخل الدولة في حالة استقطاب حاد وشلل سياسي.
وفي هذه المرحلة، يصبح المجتمع منشغلاً بصراعاته الداخلية، بينما تتراجع قدرته على التفكير في القضايا الكبرى التي تمس أمنه ومستقبله. ويتحول الاختلاف الطبيعي في الرأي إلى خصومة، والخلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي، وتصبح كل قضية سببًا جديدًا للصراع، حتى يفقد الناس القدرة على الحوار والتوافق.
ثالثاً: الأزمة وتستمر لأسابيع أو أشهر قليلة، حيث يُدفع بالمجتمع نحو هاوية الفوضى الشاملة، تحدث أزمة اقتصادية طاحنة، أو اضطرابات اجتماعية عنيفة، ويصبح الشعب مستعداً للتخلي عن حريته مقابل أي قوة تضمن له الأمن، وهنا يصرخ الجميع بحثاً عن “منقذ”.
وهذه هي اللحظة التي تصل فيها عمليات التأثير النفسي إلى ذروتها، فالمجتمع المنهك من الأزمات يصبح أكثر استعدادًا لقبول الحلول السريعة، حتى لو كانت على حساب بعض حقوقه أو حرياته. وعندما يشعر الإنسان بأن الفوضى تحاصره من كل جانب، فقد يبحث عن أي قوة تمنحه الشعور بالأمان، دون أن يتوقف طويلاً للتفكير في الثمن الذي قد يدفعه مقابل ذلك.
رابعاً: التعبئة وإعادة التطبيع وهي المرحلة الأخيرة والصادمة، حيث تتدخل القوة التخريبية لفرض السيطرة بقوة الحديد والنار، يُقضى على الفوضى، ويُعدم أو يُسجن “المغفلون النافعون” الذين ساعدوا في الفوضى ظناً منهم أنهم يجلبون الحرية، ويتحول المجتمع إلى دولة خاضعة بالكامل للنظام الجديد!
ورغم أن هذا التصور يُطرح في سياقات مختلفة عند الحديث عن الحرب النفسية والتخريب الأيديولوجي، فإن الدرس الأهم الذي يجب أن نتوقف أمامه ليس فقط في تفاصيل المراحل الأربع، وإنما في حقيقة أن وعي الشعوب أصبح في العصر الحديث أحد أهم ميادين الصراع.
فالحرب لم تعد بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبحت المعلومات، والإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وصناعة المحتوى، والتأثير في الرأي العام، أدوات يمكن استخدامها لتشكيل اتجاهات المجتمعات والتأثير في قراراتها.
ومن هنا، فإن حماية المجتمع لا تكون فقط بحماية الحدود، وإنما أيضًا بحماية العقل والوعي. فالتعليم الجيد، والإعلام المهني، والفن المسؤول، والبحث العلمي، والتمسك بالهوية، واحترام التنوع، والقدرة على الحوار، كلها عناصر تمثل خطوط دفاع حقيقية في مواجهة أي محاولة لتزييف الوعي أو نشر الفوضى.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التفكير النقدي، وأن يصبح أسيرًا للشائعات، وأن يصدق كل ما يقرأه أو يشاهده دون تحقق، وأن يتحول الاختلاف بين أبنائه إلى كراهية وصراع دائم.
لذلك، فإن مواجهة أي محاولات للتلاعب بالوعي تبدأ من الإنسان نفسه، من قدرته على السؤال، والتحقق، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد البناء والتحريض، وبين الحرية والفوضى.
فالأوطان لا تُحمى فقط بالأسلحة والجيوش، وإنما تُحمى أيضًا بعقول أبنائها ووعيهم، وبقدرتهم على إدراك ما يدور حولهم، وعدم السماح لأحد بأن يحولهم إلى أدوات في صراعات لا يعرفون حقيقتها ولا أهدافها.
والرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن الوعي ليس رفاهية، وأن الحفاظ على القيم والهوية والتاريخ ليس تمسكًا بالماضي، بل هو أحد أهم شروط بناء المستقبل.
فحين يكون المجتمع واعيًا، يصعب تضليله. وحين يكون قادرًا على التفكير والنقد والتحقق، يصبح من الصعب دفعه إلى الفوضى. وحين يحافظ على قيمه وهويته، فإنه يمتلك مناعة حقيقية ضد كل محاولات اختراق عقله وتزييف وعيه.
إن المعركة الحقيقية في عالم اليوم قد لا تكون دائمًا على الأرض، بل قد تكون في العقول والقلوب والشاشات، ولذلك فإن حماية الوعي أصبحت مسؤولية الجميع.
اقرأ أيضاًجامعة حلوان تنظم ندوة تثقيفية بعنوان “الجيش المصرى بين التاريخ والإنجازات”
حرب الاستنزاف.. الذاكرة التي حاولوا دفنها والزعيم الذي أعاد للدولة هيبتها
