من دراويش الست إلى تريند العوضي.. حكايات «مهاويس النجوم» في زمن السوشيال ميديا

من دراويش الست إلى تريند العوضي.. حكايات «مهاويس النجوم» في زمن السوشيال ميديا

«نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن» عبارة كتبتها الأديبة الفرنسية «أناييس نين»، وتعد من أعمق التفسيرات التي تكشف رؤية الذات للآخر، ويمكن من خلالها فهم العديد من الظواهر الإنسانية، في مقدمتها التعلق بالمشاهير، أو ما نطلق عليه الهوس بالنجوم، فالجمهور حين يقع في حب نجمه المفضل، هو في حقيقة الأمر يقع في حب الصورة الذهنية التي نسجها خياله عنه، والصوت الذي رافقه في لحظات الفرح والحزن، والشخصية التي اكتملت في وجدانه، والتي بدت أقرب إليه من الشخصية الحقيقية.

وإذا كان عالم النفس السويسري كارل يونج يقول: «كل ما يفتننا في الآخرين، يمكن أن يقودنا إلى فهم أنفسنا، فإن هذا التحليل يكشف كيف يمكن أن تتحول الشهرة إلى مرآة تعكس احتياجات الإنسان أكثر من حقيقة الفنان المشهور، فهناك من يرى في النجم حلم النجاح، بينما يراه أحدهم رمزًا للجمال، ويمكن أن تفتن به إحداهن كـ فارس أحلام، أو أب، أو بطل منقذ تفتقد وجوده معها في حياتها، لتتحول العلاقة إلى مرض يكشف وجود خلل في العلاقة مع الذات، قبل أن تكون علاقة مع النجم في حد ذاته».

ويرى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، أن الإنسان في الغالب ينظر إلى الآخر بوصفه صورة يصنعها في ذهنه، تختلف عن الصورة الحقيقية، ويمكن من خلال هذه المقولة أن نفهم أبعاد العلاقة بين الجمهور والمشاهير، فبرغم أن ملايين الناس يعرفون أدق تفاصيل النجم، ويتوهمون أنه قريب منهم، إلا أن الحقيقة أن هذا النجم لا يعرف شيئاً عن هؤلاء الناس، في علاقة أحادية الطرف كما يسميها علماء النفس، حيث ينمو فيها الإحساس بـ الألفة والقرب من طرف واحد فقط.

ويحذر عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان من تحول العلاقات الإنسانية في العصر الحديث إلى علاقات سريعة سائلة، تبحث عن إشباع فوري زائف، ففي زمن السوشيال ميديا، لم تعد الشهرة مجرد موهبة أو حضور فني، بل أصبحت مادة خام يومية لصناعة الانتباه في أقل من فيمتوثانية”، لدرجة أن بعض المعجبين، أو المهاويس، لا يلهثون وراء النجم للاقتراب منه فقط، وإنما يسعى بعضهم إلى أن يصبح جزءًا من حكايته، ولو لثوانٍ معدودة، قد تكون كفيلة بأن تجعله يركب التريند الذي يترجم في ملايين المشاهدات، ومن ثم “أموال متدفقة”!!

وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تضخم ظاهرة الهوس بالمشاهير، بعد أن أصبحت العلاقة بين الفنان والجمهور أكثر حميمية، فالفنان أصبح يدخل بيوت الملايين يوميا، ويتحدث مع جمهوره عبر حساباته على السوشيال ميديا، ويبادلهم التعليقات، ويشاركهم تفاصيل حياته، ولحظاته الخاصة مع عائلته، فيتوهم البعض أن المسافة قد تلاشت، وأن بينهما «معرفة حقيقية عن قرب».

وهكذا لا تبدو ظاهرة التعلق بالمشاهير مجرد نوادر، أو «حكايات طريفة» يتداولها الجمهور، بل نافذة لفهم النفس البشرية، وطريقة صناعتها للرموز، وكيف تمنح هؤلاء المشاهير صبغة أسطورية، فالنجم يعتلي المسرح، أو يطل بين جماهير السينما، ويكون لهم الحق في رفع هواتفهم والتقاط الصور معه، وتبقى المسافة آمنة بين المحبة والهوس، بين التقدير والتجاوز، ولكن يحدث أن يختلط أحيانا الإعجاب المشروع، بـ امتلاك حق الاقتراب.

وهو ما وقع منذ أيام بين الفنان أحمد العوضي وإحدى الفتيات اللواتي تخطين الخطوط الحمراء، حيث أمسكت بيديه وتشبثت بهما قائلة: «أمشي لوحدي واللا إيه»، ثم ظهرت على السوشيال ميديا تطلب منه الزواج لأنها الأحق به، على حد زعمها.

وبصرف النظر عما إذا كانت هذه الفتاة مهووسة بالعوضي، أو لاهثة خلف التريند، أو مضطربة نفسيا، أو حتى مأجورة من إحدى الجهات لتحقيق دعاية، أو دعاية مضادة، نحاول قراءة تلك الظاهرة التي لم تكن وليدة عصر السوشيال ميديا فقط، وإنما هي ظاهرة قديمة قدم الفن نفسه، علاقة نفسية وفلسفية معقدة، اختلطت فيها الأحلام بالخيال، والاحتياج الإنساني بالرمزية، حين أصبح الفنان في وعي بعض محبيه، أكثر من مجرد إنسان، بعد أن تحوّل «دون قصد» إلى شاشة يعرض عليها كل إنسان أمنياته الخاصة.

هناك تاريخ طويل من الولع بالنجوم، أو الهوس بهم، منذ أربعينيات القرن الماضي، وكانت حفلات أم كلثوم تتحول إلى طقس جماهيري يتصارع فيه الجمهور من أجل الاحتفاظ بـ منديل الست، أو التقاط وردة ألقتها من فوق المسرح، وكان كثيرون يقطعون مئات الكيلومترات لحضور حفل واحد لها، وتقبيل قدميها ممن أطلق عليهم دراويش الست، وكم من معجب اقتحم مسرحا يقف عليه العندليب عبد الحليم حافظ، أملاً في مصافحته، أو احتضانه، ووصل الأمر أحيانا إلى اقتحام فيلته ذات يوم، وتمزيق ملابسه وسط التدافع الجماهيري، في حفلاته بمصر والدول العربية، واختلفت صور الإعجاب بين العديد من المشاهير، مثل صباح، ووردة الجزائرية وفريد الأطرش، وغيرهم من نجوم الزمن الجميل.

وتفاقمت ظاهرة «اقتحام المسرح» للحصول على قبلة، أو لمسة من رموز الرومانسية: كاظم الساهر، تامر حسني، محمد حماقي، هيفاء وهبي، راغب علامة، الذي قامت إحدى معجباته بـ”تقبيله” بشكل صارخ في إحدى حفلات الصيف الماضي، ومشهد آخر لانتهاك خصوصية عمرو دياب انتهى بـ صفع أحدهم، في واقعة شهيرة هزت الرأي العام، والفارق بين الماضي والحاضر، أن معظم وقائع زمن الأبيض والأسود كانت تنتهي بانتهاء الحفل، بينما أصبحت اليوم تعيش عمرا جديدا على منصات التواصل الاجتماعي، وساهمت “العروض الخاصة” للأفلام، والتي يحضرها النجوم، في تهيئة «أجواء الهوس» وسط زحام البشر والكاميرات التي أصبحت شريكا في الحدث، وربما صانعة له!!

ومن «دراويش الست»، واقتحام فيلا العندليب، وصولاً إلى مشهد العوضي، يتجدد الحديث عن حدود العلاقة بين النجم وجمهوره، يتغير الزمن وتبقى الفكرة واحدة: الإنسان مفتون بالنجوم، لكن الفارق أن نجوم الأمس صنعوا الأسطورة على المسرح، بينما يصنع جمهور اليوم الأسطورة أمام كاميرا الهاتف.

وفي زمن «اقتصاد الشهرة» وصعوبة التفرقة بين الإعجاب الصادق العفوي، والسعي المقصود لصناعة محتوى يركب التريند، تظل المسؤولية مشتركة، فالفنان لا بد أن يتحلى بالحكمة في إدارة علاقته بجمهوره، والجمهور مطالب بأن يتذكر أن أقصر طريق إلى قلوب النجوم ليس اقتحام خصوصيتهم، بل احترامها.

اقرأ أيضاًيارا السكري تتصدر التريند بفيديو كوميدي ساخر عن «معجبة العوضي»

«المهن السينمائية» تنعى المخرج محمد علي سيد الأهل

أحمد العوضي يشارك جمهوره مشاهدة فيلم «شمشون ودليلة» في الإسكندرية وطنطا

Exit mobile version