ليست الزيارات المتكررة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض مجرد لقاءات بروتوكولية أو صور إعلامية عابرة، بل تعكس حجم التعقيدات التي تواجهها إسرائيل في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها السياسي والأمني.
فخلال فترة قصيرة أصبح البيت الأبيض محطة رئيسية في إدارة الملفات الإسرائيلية الكبرى، وهو أمر يكشف أن تل أبيب، رغم امتلاكها ترسانة عسكرية متقدمة، تحتاج بصورة متزايدة إلى الغطاء السياسي والدعم الاستراتيجي الأمريكي في مواجهة أزمات متشابكة تتجاوز حدودها.
زيارة نتنياهو الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع ملفات عديدة على طاولة النقاش، وفي مقدمتها إيران، ومستقبل الصراع في غزة، وترتيبات المنطقة بعد سنوات من التوترات المتصاعدة.
المشهد لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني كما يتم تقديمه إعلاميًا، بل بصراع أوسع حول النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. فإيران بنت خلال العقود الماضية شبكة نفوذ إقليمية وأدوات ضغط متعددة، بينما ترى إسرائيل أن استمرار هذا النفوذ يمثل تحديًا مباشرًا لمشروعها الأمني.
لكن الحسابات العسكرية ليست سهلة كما تبدو في التصريحات السياسية. فأي مواجهة واسعة مع إيران قد لا تبقى داخل حدودها، بل يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى في الإقليم، عبر ملفات الصواريخ والطائرات المسيرة والممرات البحرية والقوى الحليفة لطهران في أكثر من ساحة.
وهنا تظهر معضلة واشنطن. فهي من جهة ملتزمة بدعم إسرائيل، لكنها من جهة أخرى تدرك أن اندلاع حرب إقليمية شاملة قد يحمل تكلفة كبيرة على المصالح الأمريكية وعلى الاقتصاد العالمي، خصوصًا إذا تأثرت طرق الطاقة والتجارة الدولية.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات الحديثة. فلم تعد الحروب تُحسم فقط بعدد الطائرات والدبابات، بل أصبحت تعتمد على القدرة على الصمود وإدارة المعركة الطويلة واستخدام أوراق الضغط السياسية والاقتصادية والجغرافية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الممرات البحرية مثل مضيق هرمز وباب المندب، حيث أصبحت هذه المناطق جزءًا من معادلة الصراع الدولي. فأي اضطراب فيها لا ينعكس على أطراف المواجهة فقط، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
كما يبقى العراق إحدى الساحات الحساسة في هذه المعادلة، بسبب موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الداخلية والإقليمية. فاستمرار التوتر بين القوى المختلفة داخله قد يجعله ساحة للمنافسة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
أما الدول العربية، فتراقب التطورات بحذر شديد، لأنها تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستكون لها تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي. لذلك تميل العديد من العواصم إلى تجنب سيناريو الحرب الشاملة والبحث عن مساحات للتهدئة السياسية.
المفارقة أن إسرائيل التي تسعى إلى إظهار قوتها العسكرية تجد نفسها مضطرة إلى خوض معركة سياسية مستمرة في واشنطن، بينما تحاول الولايات المتحدة إدارة توازن صعب بين دعم حليفها ومنع انفجار إقليمي يصعب التحكم في نتائجه.
في النهاية، فإن كثافة اللقاءات بين نتنياهو والإدارة الأمريكية ليست مجرد علامة على قوة التحالف، بل هي أيضًا مؤشر على حجم التحديات والضغوط التي تواجهها إسرائيل في مرحلة تتغير فيها قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه الاجتماعات إلى تفاهمات تقلل فرص المواجهة، أم أنها تمهد لجولة جديدة من الصراع ستكون أكثر اتساعًا وتعقيدًا؟
الإجابة ستحددها موازين القوة على الأرض، وليس فقط التصريحات التي تُقال أمام الكاميرات!!
اقرأ أيضاًتصعيد جديد.. إيران توجه ضربة صاروخية لقاعدة أمريكية في الأردن
استقبال فاتر لنتنياهو في واشنطن.. ومطالبات بإعادة النظر في الدعم الأمريكي للاحتلال
مراقب دولي: ملف إيران سيتصدر مباحثات نتنياهو وترامب على حساب لبنان









