أزمة “الخطة الخمسية” في اجتماع سري بمكتب الإرشاد – الأسبوع

أزمة “الخطة الخمسية” في اجتماع سري بمكتب الإرشاد – الأسبوع


عندما أصدر المستشار محمد المأمون الهضيبي قرارًا باستدعاء مجموعة من الصحفيين لاجتماع عاجل بمكتب الإرشاد في شارع سوق التوفيقية بالقاهرة، يوم الأربعاء 12 أكتوبر 1994، بدا الأمر لأعضاء التنظيم الإخواني منهم حدثًا جللًا. فالداعي هو القابض على ملف الصحافة والإعلام إلى جانب أخطر ملفات الجماعة، والحضور يتوقعون أنهم على موعد مع اجتماع سري ساخن.

كان الهضيبي يدير الجلسة بصلاحيات الرجل الثالث في جماعة “الإخوان”، خلف مصطفى مشهور، نائب المرشد العام، الذي كان يمسك بمقاليد التنظيم ويقوده فعليًا كمرشد حقيقي من خلف الستار، في ظل التدهور الصحي للمرشد الرابع محمد حامد أبو النصر. فما هو سبب هذا الاستدعاء العاجل؟ وما القنابل التي فجّرتها تلك الجلسة المغلقة؟

قبل أن يدخل المستشار الهضيبي إلى غرفة الاجتماع، كان الصحفيون قد أخذوا أماكنهم وفي الصدارة منهم: أحمد عز الدين، وبدر محمد بدر، وصلاح عبد المقصود.وكان الحاضرون جميعًا من الأعضاء العاملين في التنظيم، عدا صحفي واحد.وكانت الأصوات تتهامس بتساؤلات عن سبب الاجتماع والأحداث الجارية في مصر في ذلك الوقت، إلى أن جلس الهضيبي في مقعده ودخل في الموضوع مباشرة.

استعرض الهضيبي ملخصًا للحملات الأمنية التي استهدفت أعضاء الجماعة وكوادرهم في عدة محافظات، موجهًا اللوم للصحفيين الذين لا يقومون بدورهم في الحديث من خلال الصحف التي يعملون بها. بدأ اللوم يتصاعد تدريجيًا إلى أن اقترب من الاتهام بالتخاذل والتقاعس وسط صمت من الجميع، عدا أحدهم كان متحفزًا للحديث.

لاحظ الهضيبي حالة التحفز عند الصحفي فأعطاه الكلمة قبل الآخرين فور أن رفع يده، وكانت المفاجأة أن الصحفي لم يطرح سؤالًا أو يقدم اقتراحًا، وإنما ألقى بقذائف متتالية. تحدث الصحفي عن معاناة أعضاء الجماعة داخل الصحف التي يعملون بها واستعرض عددًا من الأمثلة، فقاطعه أحد كبار الحاضرين قائلًا: “لا تتحدث عن أمور شخصية”، فرد عليه الصحفي قائلًا: “أنا لا أتحدث عن نفسي ولم أطلب مساعدة في حل مشكلة خاصة بي، أنا أتحدث عما يعانيه الأخ فلان وفلان وفلان”، واستدرك قائلًا: “عمومًا ليس هذا هو المهم فيما أريد أن أقوله”. نظر إليه الهضيبي والحاضرون، وترقب الجميع مفاجأة أخرى.

فجّر الصحفي مفاجأة بتوجيه اللوم لقيادات معروفة في الجماعة، متهمًا إياها بارتكاب أخطاء فادحة تسببت في الحملات الأمنية التي استهدفت شخصيات بارزة. وذكر الصحفي أحد قيادات الجماعة بالاسم، وقال: إن قوة أمنية داهمت مسكن الأخ الكبير “خ. ث” بمحافظة أسيوط وعثرت لديه على “نسخة من الخطة الخمسية الجديدة”. سيطرت حالة من الذهول على جميع الحاضرين بمجرد أن نطق الصحفي بكلمتي “الخطة الخمسية”، وحاول أحد الحاضرين مقاطعته، لكن الهضيبي دعا الصحفي لاستكمال الحديث مترقبًا المزيد من المعلومات الصادمة.

أكد الصحفي أن القوة الأمنية عثرت في مسكن الأخ “خ. ث” على قوائم بأسماء ومهام أعضاء في الجماعة بالمحافظة، وقال الصحفي: “من يقرأ الصفحات التي عثرت عليها القوة الأمنية في مسكن الأخ المسؤول الكبير في أسيوط يظن أن «الإخوان خلايا نحل» تستعد لهجمات خطيرة، ومن ثم كان من الطبيعي أن تتحرك الأجهزة الأمنية وتنفذ حملات مداهمة جديدة”، وتابع: “هل نلوم الصحفيين أم نلوم الأخ الذي تسبب في الحملات الأمنية؟!”.

سيطرت حالة من الغضب على وجوه الحاضرين، وحاولوا مقاطعة الصحفي، لكن الهضيبي طلب منه استكمال حديثه، فاستمر في تصعيد الاتهامات مشيرًا إلى أن خطأ الأخ “خ. ث” لا يقل فداحة عن خطأ الدكتور عصام العريان الذي عثرت قوة أمنية في مسكنه على صورة من محضر اجتماع يتضمن تعليمات مفادها أنه تقرر زيادة ما يتم تحصيله من أعضاء الجماعة، على أن يقال لمن هم دون مستوى “النقيب” تنظيميًا: إن الزيادة سوف تذهب لإغاثة إخواننا في البوسنة والهرسك، أما من هم في مستوى “النقيب” ومن هم أعلى منه فتتم مصارحتهم بالهدف.

انتهى حديث الصحفي، وبدأ الهضيبي في الرد مبررًا وقوع الإخوة في مثل هذه الأخطاء بادعاء أنه لا يمكن الاعتماد على الذاكرة فقط، ولا مفر من وجود أوراق وملفات، مشيرًا إلى أنه طالما يوجد عمل وتوجد حركة تظهر أخطاء. وقبل أن يستكمل الهضيبي حديثه طرق الباب أحد أعضاء الجماعة واستأذن في خروج الصحفي بدر محمد بدر لأمر مهم وعاجل.

خرج بدر محمد وعاد في أقل من دقيقة حزينًا، وأبلغ الحاضرين بمقتل صديقه القيادي الإخواني الجزائري لحسن سعد الله، الذي يعرفه المصريون باسم “حسن سعد الله”، وهو كاتب صحفي كان رئيسًا لتحرير مجلة الإرشاد والنائب الثاني لرئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الإخوانية بعد وفاة الشيخ محمد بوسليماني الذي اختطفته جماعة مسلحة وقتلته وسط صراعات دامية واتهامات تخوين بين فصائل وجماعات إرهابية تحمل صفة “الإسلامية”.

جاء خبر مقتل لحسن سعد الله لينهي الاجتماع، فأكثر الحاضرين يعرفه شخصيًا منذ أن كان طالبًا في الدراسات العليا في مصر. وحول تفاصيل الحادث، كشف بدر محمد أنه في صبيحة 12 أكتوبر، خرج لحسن من مسكنه إلى سيارته التي تعوّد على غسلها قبل التوجه إلى مقر عمله، ثم قام بإدخال ابنيه إلى البيت بعد أن ودعهما.. وبعد لحظات سمع الجميع صوت الرصاص.

خرج المستشار مأمون الهضيبي من الاجتماع وظل الصحفيون في غرفة الاجتماع يتبادلون الحديث عن لحسن سعد الله، وما يحدث في الجزائر، لكن أحدهم لم يترك الصحفي الذي كان يفجر المفاجأة تلو الأخرى وقال له بحدة: “كيف تتحدث مع الأستاذ مأمون بهذه الطريقة؟ ومن الذي أخبرك بموضوع الخطة الخمسية؟” أجابه الصحفي قائلًا: “أنا تحدثت بالحقيقة والمعلومات أبلغني بها أخ من أسيوط، وهو محل ثقة بين كبار الإخوة هناك”.

خرج الصحفي من مقر مكتب الإرشاد، وعلم بعد ذلك أنه أصبح من المغضوب عليهم، واتهموه بأنه تجاوز حدوده ولم يوقر كبيرهم، ولم يتعاطف معه سوى صحفي إخواني واحد رأى أنه ضغط بأصابعه على ورم خبيث لا ينبغي التعامل معه بالمسكنات، والأهم أنه كشف أخطاء فادحة توصف داخل التنظيم بأنها “تسليم أهالي”، إخوة كبار “يسلمون إخوانهم بالملفات على طبق من ذهب إلى أجهزة الأمن”.

ولا عجب أن تسمع من الوافدين الجدد على الزنازين وعنابر السجون إجابة واحدة على سؤال متكرر من سابقيهم: “اتمسكتم إزاي؟” والرد: “خطأ من الأخ فلان سامحه الله”. أصحاب هذه الإجابات كانوا يقولون لمن دونهم في الصف الإخواني: “الإخوة اللي فوق عارفين كل حاجة.. الإخوة اللي فوق يعرفوا أكتر مننا.. والإخوة اللي فوق عاملين حسابهم لكل حاجة”، ويبدو أن “الجماعة” التي توصف قياداتها بأنها “ربانية.. ترى بنور الله”، تسقط في ذات الأخطاء المتكررة بصورة طبق الأصل مع اختلاف الزمان والمكان والحدث

Exit mobile version