رُوّج لهم كـ”إرهابيين”.. اعتقال نحو 20 موريتانيا في مالي

رُوّج لهم كـ”إرهابيين”.. اعتقال نحو 20 موريتانيا في مالي

وبحسب روايات العائلات ومصادر محلية موريتانية، فإن المعتقلين ليسوا مسلحين، بل تجار ومسافرون كانوا عائدين إلى موريتانيا بعد مغادرتهم مدينة بواكي في كوت ديفوار، عبر الطريق البري الذي يمر بباماكو وكاتي وصولاً إلى غرب مالي.

وقالت العائلات إن المجموعة كانت تستقل حافلة نقل جماعي من نوع “سوتراما”، قبل أن تتعطل قرب كاتي، ما اضطر الركاب إلى قضاء ليلتهم في المنطقة، قبل أن يعتقلهم الجيش المالي في 3 أغسطس ويقتادهم إلى جهة لا تزال مجهولة.

وعُرف من بين الموقوفين محمد الأمين “لبات” ولد محمودن، وحامد ولد فيزو، وسيدي أغمر ولد الراعي، وحماه الله ولد يب، فيما قالت مصادر محلية إن 3 منهم ينحدرون من قرية بسطة شرقي مدينة تمبدغه الموريتانية.

صور المعتقلين تكشف الرواية الأخرى

بدأت القضية بعدما تداولت حسابات مالية موالية للسلطات صوراً ومعلومات عن اعتراض 3 حافلات “سوتراما” بين مساء 2 وصباح 3 أغسطس، في سيراكورو توفين وكاتي سانافارا وموقع ثالث داخل كاتي.

وزعمت تلك الحسابات أن الحافلات كانت تقل أشخاصاً يحاولون التسلل إلى المدينة لتنفيذ عمليات مسلحة، لكنها لم تنشر معلومات عن هوياتهم أو أسلحة قيل إنها ضُبطت بحوزتهم.

وتشير المعطيات الجديدة إلى أن إحدى الحافلات، على الأقل، قد تكون هي المركبة التي كانت تقل المواطنين الموريتانيين، بعدما تعرفت عائلاتهم إلى وجوههم في الصور والمقاطع المتداولة.

كما تحدثت العائلات عن ظهور آثار اعتداء على بعض الموقوفين، وسط مخاوف من تعرضهم للتعذيب أو الاختفاء القسري، خصوصاً بعدما وصفتهم منصات مالية بـ”الإرهابيين” قبل إجراء أي تحقيق معلن أو تقديم أدلة تثبت الاتهام.

وناشد ذوو المعتقلين الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ووزارة الخارجية التدخل العاجل لدى باماكو، للكشف عن مكان احتجازهم وضمان سلامتهم وإطلاق سراحهم. وأكدت عائلات لوكالة الأخبار الموريتانية المستقلة أن أبناءها كانوا يعملون في التجارة بمدينة بواكي، وأنها علمت باعتقالهم بعد انتشار صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يصدر حتى الآن بيان رسمي من الجيش المالي يوضح عدد الموقوفين أو الاتهامات الموجهة إليهم، كما لم تعلن الحكومة الموريتانية رسمياً بدء تحرك دبلوماسي بشأن القضية.

اعتقالات بعد هجمات أبريل

ولا تعد الحادثة الأولى من نوعها خلال الأشهر الأخيرة. ففي 26 أبريل، اعتقلت القوات المالية 6 موريتانيين بالتزامن مع حملات التمشيط الواسعة التي أعقبت الهجمات المنسقة على باماكو وكاتي ومدن أخرى.

وأوقف اثنان منهم في باماكو، بينما اعتقل 4 داخل سوق قرية دمارة التابعة لمنطقة ديما، من دون إعلان أسباب توقيفهم.

ودخل ممثلون عن الجالية الموريتانية حينها في مفاوضات مع السلطات المالية لإطلاق سراحهم.

وجاءت تلك الاعتقالات وسط حالة استنفار دفعت قوات الأمن إلى توقيف أشخاص على أساس الاشتباه، بعد الهجوم الواسع الذي شنته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” وجبهة تحرير أزواد في 25 أبريل، واستهدف مواقع عسكرية في كاتي وباماكو وموبتي وسيفاري وغاو وكيدال. وأعلنت السلطات بعد الهجمات تنفيذ عمليات تمشيط واعتقالات واسعة.

وفي ديسمبر 2024، أكد الجيش الموريتاني أن وحدة مالية اعتقلت 18 موريتانياً في قرية “لغظف” الواقعة داخل الأراضي المالية، قبل إطلاق سراحهم عقب اتصالات بين سلطات البلدين. ونفت نواكشوط آنذاك أن تكون القوات المالية قد عبرت الحدود، لكنها أكدت واقعة الاعتقال.

قتلى من الرعاة داخل مالي

وتأتي قضية المعتقلين الجدد بعد سلسلة دامية شهدها الشريط الحدودي خلال مارس 2026.

ففي 20 مارس، قُتل راعيان موريتانيان وشخص مالي في بلدة ياكنا، الواقعة داخل مالي على مسافة نحو 12 كيلومتراً من الحدود. وقالت مصادر موريتانية إن الضحيتين اعتُقلا قبل مقتلهما، فيما أعلنت نواكشوط فتح اتصالات مع باماكو للتحقيق في الحادث.

وبعد أقل من أسبوع، أفادت مصادر محلية بأن الجيش المالي اعتقل نحو عشرة أشخاص في منطقة تنتله، جنوب غربي مدينة يلماني وعلى بعد قرابة 70 كيلومتراً داخل مالي.

وقال عمدة بلدية عين فربه إن الأهالي أُبلغوا لاحقاً بمقتل ثمانية من الموقوفين، بينهم خمسة شبان من قرية سرسار، بينما أُطلق سراح طفلين كانا برفقة المجموعة. ولم تُعلن نتائج تحقيق مستقل في الحادثة أو محاسبة أي جهة عنها.

وأدانت وزارتا الداخلية والخارجية الموريتانيتان ما وصفتاه بـ”الاعتداءات المتكررة” على أرواح المواطنين وممتلكاتهم داخل مالي، وطالبتا بتحقيقات شفافة، مؤكدتين أن حماية الموريتانيين “خط أحمر”، كما حذرت نواكشوط الرعاة من دخول الأراضي المالية، وفعّلت لجان يقظة في المناطق الحدودية.

مجزرة الـ29 موريتانياً

وتعود أخطر السوابق إلى مارس 2022، عندما اعتقل جنود ماليون وعناصر أجنبية 33 مدنياً في قرية روبيني العطاي بمنطقة سيغو، بينهم 29 موريتانياً وأربعة ماليين.

ووفق تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة، تعرض الرجال للتقييد والضرب قبل اقتيادهم، ثم عُثر على جثثهم على مسافة من القرية.

وأكد التقرير ضلوع الجيش المالي و”جنود بيض”، رجحت مصادر دبلوماسية أنهم من مجموعة فاغنر الروسية، في العملية، رغم نفي باماكو مسؤولية قواتها.

كما اتهمت موريتانيا في أبريل 2024 الجيش المالي ومقاتلي فاغنر بملاحقة مسلحين داخل مناطق حدودية وقتل مدنيين موريتانيين، وقال مصدر أمني إن نواكشوط أرسلت إلى باماكو أدلة على تلك الانتهاكات، ما دفع السلطات المالية إلى إرسال وفد رفيع لاحتواء التوتر.

وتزيد هذه السوابق مخاوف عائلات معتقلي كاتي، خصوصاً في ظل تقارير حقوقية تتهم الجيش المالي وشركاءه الروس بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري داخل قواعد عسكرية ومراكز احتجاز غير معلنة.

وكشف تحقيق دولي وجود 6 مواقع استُخدمت لاحتجاز مدنيين وتعذيبهم بين عامي 2022 و2024.

وتبقى قضية الموريتانيين المعتقلين اختباراً جديداً للعلاقات بين نواكشوط وباماكو، ولقدرة السلطات المالية على التمييز بين المسافرين المدنيين والمشتبه بهم وسط الاستنفار الأمني، بدلاً من تحويل الاشتباه والانتماء الجغرافي إلى إدانة جاهزة تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”.



Exit mobile version