في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، عاد الحديث مجددًا عن جدوى الاتفاقيات الدفاعية الثنائية والثلاثية التي بدأت تتشكل بين عدد من دول المنطقة، وما إذا كانت هذه الترتيبات الأمنية قادرة على أن تحل محل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي ظلت لعقود الإطار القانوني الرسمي للأمن القومي العربي، لكنها بقيت في معظم الأحيان حبيسة النصوص أكثر من كونها أداة فاعلة على أرض الواقع.
اتفاقية الدفاع العربي المشترك.. مشروع لم يكتمل
تعود فكرة الدفاع العربي المشترك إلى السنوات الأولى لتأسيس جامعة الدول العربية، حيث تم توقيع اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية في 18 يونيو 1950 بالقاهرة، ودخلت حيز التنفيذ بعد التصديق عليها من الدول الأعضاء.
وجاءت الاتفاقية استجابة للتحديات الأمنية التي واجهها العالم العربي بعد حرب فلسطين عام 1948، ونصت على أن أي اعتداء على دولة عربية يعد اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، مع إنشاء مجلس الدفاع المشترك وهيئة عسكرية دائمة لتنسيق الخطط الدفاعية.
ورغم مرور أكثر من سبعة عقود على إقرارها، فإن الاتفاقية لم تُفعّل بصورة كاملة في الأزمات الكبرى التي شهدتها المنطقة، سواء خلال الحروب العربية الإسرائيلية أو الغزو العراقي للكويت أو الأزمات التي عصفت بعدد من الدول العربية منذ عام 2011.
ويرى كثير من الخبراء أن الخلافات السياسية العربية، واختلاف أولويات الأمن القومي بين الدول، حالت دون تحويل الاتفاقية إلى منظومة ردع حقيقية.
دعوات متكررة لإحياء القوة العربية المشتركة
لم تتوقف المطالبات بإحياء مفهوم الدفاع العربي المشترك، وكان أبرزها في القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015، عندما وافق القادة العرب مبدئيًا على إنشاء قوة عربية مشتركة، وتم تشكيل لجان عسكرية لصياغة آليات التنفيذ.
وفي عام 2016، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الدعوة إلى تفعيل فكرة القوة العربية المشتركة باعتبارها ضرورة لحماية الأمن القومي العربي في مواجهة الإرهاب والتدخلات الإقليمية، إلا أن المشروع لم يشهد تقدمًا عمليًا، نتيجة استمرار الخلافات السياسية واختلاف الرؤى بشأن طبيعة التهديدات، وآليات القيادة والتمويل، فضلاً عن تباين مواقف بعض الدول تجاه الأزمات الإقليمية.
وبذلك بقى المشروع في إطار المبادرات السياسية دون أن يتحول إلى مؤسسة عسكرية قائمة.
و في ظل تعثر المشروع العربي الجماعي، اتجهت بعض الدول إلى بناء تحالفات دفاعية محدودة تجمع دولتين أو ثلاثًا، تقوم على المصالح المشتركة والتهديدات المتقاربة.
وتتميز هذه الاتفاقيات بأنها أكثر سرعة في اتخاذ القرار، وأقل تعقيدًا من المنظومات الجماعية التي تتطلب توافقًا عربيًا واسعًا، كما تسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء المناورات العسكرية المشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعية، والتنسيق في مجالات إلا أن هذه المزايا يقابلها قصور واضح يتمثل في محدودية نطاقها الجغرافي، وغياب المظلة العربية الشاملة، فضلاً عن احتمال نشوء محاور إقليمية متنافسة بدلًا من بناء منظومة أمن عربي موحدة.
الاتفاق الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا
يأتي التقارب الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في سياق سعي الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون العسكري والتقني، وتبادل الخبرات في مجالات التصنيع الدفاعي والتدريب والأمن الإقليمي.
ويمثل هذا التعاون امتدادًا للعلاقات العسكرية القائمة بين هذه الدول، خاصة مع امتلاك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وتمتع باكستان بخبرة عسكرية كبيرة، بينما تعد السعودية من أكبر المستثمرين في تحديث قدراتها الدفاعية.
لكن، ورغم أهمية هذا التعاون، فإنه لا يمكن اعتباره بديلًا كاملًا لمنظومة الدفاع العربي المشترك، لعدة أسباب، أولها، أن باكستان دولة إسلامية مهمة لكنها ليست دولة عربية، وبالتالي فإن أولوياتها الاستراتيجية قد تختلف في بعض الملفات عن أولويات الأمن القومي العربي.
وثانيها أن تركيا قوة إقليمية تمتلك مصالح مستقلة قد تتقاطع أحيانًا مع المصالح العربية، وقد تختلف معها في أحيان أخرى، وفقًا لتطورات البيئة الإقليمية.
أما السبب الثالث فهو أن أي تحالف ثلاثي، مهما بلغت قوته، يظل محدودًا مقارنة بمنظومة تضم جميع الدول العربية، بما تمتلكه من إمكانات بشرية وعسكرية واقتصادية هائلة.
ومن الناحية السياسية، يمكن أن تتوسع مثل هذه الترتيبات لتضم دولًا إقليمية أخرى مثل أذربيجان أو بعض الدول الإسلامية، إذا توافرت المصالح المشتركة.
غير أن اتساع التحالفات خارج الإطار العربي يطرح تساؤلات مهمة حول هوية منظومة الأمن الإقليمي و هل ستظل عربية في جوهرها، أم ستتحول إلى ترتيبات إسلامية أو إقليمية أوسع تتداخل فيها المصالح غير العربية؟
وهنا يكمن التحدي الحقيقي، إذ إن إشراك قوى إقليمية قد يوفر قدرات عسكرية وتقنية إضافية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار، وربط الأمن العربي بحسابات دول ليست أطرافًا مباشرة في النظام العربي.
الطريق الحقيقي لحماية الأمن العربي
لا يبدو أن الاتفاقيات الدفاعية الجزئية، مهما بلغت أهميتها، قادرة وحدها على تعويض غياب منظومة الدفاع العربي المشترك.
فالواقع يؤكد أن أمن المنطقة يحتاج إلى رؤية شاملة تقوم على عدة مرتكزات، أهمها إعادة تفعيل مؤسسات الدفاع العربي المشترك وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة، وتوحيد المفاهيم الاستراتيجية للأمن القومي العربي، وتعزيز التكامل في الصناعات العسكرية، وإنشاء منظومات موحدة للإنذار المبكر والأمن السيبراني والاستخبارات، إلى جانب بناء إرادة سياسية عربية تتجاوز الخلافات الظرفية.
كما أن التعاون مع الدول الإسلامية والإقليمية الصديقة ينبغي أن يكون عنصرًا داعمًا للمنظومة العربية، لا بديلًا عنها، حتى يبقى القرار الأمني العربي معبرًا عن مصالح الدول العربية أولًا.
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقيات الدفاعية الجزئية تمثل أدوات مهمة لتعزيز التعاون بين الدول المتقاربة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل مشروع عربي جماعي طال انتظاره. فالمنطقة تواجه تحديات عابرة للحدود، من الإرهاب إلى الأمن البحري، مرورًا بالحروب السيبرانية والتدخلات الإقليمية، وهي تحديات تتطلب منظومة دفاعية عربية حديثة تستند إلى الإرادة السياسية، لا إلى النصوص وحدها.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تدفع المتغيرات الإقليمية والدولية الدول العربية إلى إعادة إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك بروح جديدة، أم أن مستقبل الأمن في المنطقة سيتشكل عبر تحالفات جزئية متغيرة وفقًا للمصالح والظروف؟
اقرأ أيضاًانفجارات قرب مضيق هرمز.. إيران تعلن التصدي لأهداف جوية في أجواء جزيرة قشم
