مقالات

حين يُستهدف الإعلاميون لأنهم يقفون في صف الوطن – الأسبوع

ليست كل المعارك تُخاض على الحدود، ولا كل محاولات النيل من الدول تأتي في صورة مؤامرات صاخبة أو تحركات مكشوفة.

ثمة معارك أكثر دهاءً، تبدأ من الكلمة، وتتحرك عبر الشاشة، وتستهدف وعي الناس قبل أن تستهدف مؤسسات الدولة.

وفي زمن أصبحت فيه الشائعة أسرع من الحقيقة، وصارت المنصات قادرة على صناعة صورة ذهنية في دقائق، يغدو الإعلام أحد أهم ميادين الصراع على الدولة ووعي مواطنيها.

ومن هنا يمكن فهم الهجمة التي تتعرض لها مجموعة من أبرز الأصوات الإعلامية المصرية، وفي مقدمتهم الكاتب الصحفي مصطفى بكري، والدكتور محمد الباز، والإعلامي أحمد موسى، والإعلامي نشأت الديهي، وهي أسماء اختلفت معها أو اتفقت، لكن يصعب إنكار أنها اختارت أن تكون في قلب المشهد، وأن تتناول ملفات شائكة، وأن تواجه ما تراه محاولات لتزييف الوعي أو إعادة إنتاج خطاب جماعة الإخوان المسلمين ومناصريها.

إن محاولة إسقاط هؤلاء في عيون الناس لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد خصومة مع أشخاص.

فحين يصبح الإعلامي هدفًا لحملة منظمة من التشويه، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا هذا الشخص تحديدًا؟ وإنما: ماذا يمثل هذا الشخص حتى يصبح إسقاط صورته هدفًا في حد ذاته؟

وهنا تكمن الإجابة.

إن هؤلاء الإعلاميين، بما يقدمونه من برامج ومقالات ومداخلات، يمثلون بالنسبة إلى خصوم الدولة المصرية مساحة مواجهة مباشرة مع الخطاب الذي يُراد له أن يعبر إلى وجدان المواطن من خارج الحدود.ولذلك فإن ضرب

الثقة في الإعلامي يصبح، في هذه الحالة، جزءًا من محاولة ضرب الثقة في الرسالة التي يقدمها، وفي المنبر الذي يقف من خلاله، وفي المؤسسات التي يعلن انحيازه إليها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أشخاص فوق النقد، فالإعلامي، شأنه شأن كل صاحب رأي، من حق الناس أن تختلف معه، ومن حقهم أن يناقشوا أداءه، وأن ينتقدوا مواقفه، وأن يطالبوه بالدقة والمهنية.

لكن هناك فارقًا شاسعًا بين النقد والاستهداف، وبين مناقشة الفكرة ومحاولة اغتيال صاحبها معنويًا، وبين الاختلاف الطبيعي وبين صناعة حملات تستهدف إسقاط المصداقية بأي ثمن.

لقد أدركت جماعة الإخوان، ومن يدور في فلكها، منذ سنوات طويلة أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، وإنما في عقول الناس. ولذلك لم تعد الشاشة مجرد وسيلة لنقل الخبر، أصبحت ميدانًا لإعادة تفسير الواقع.

وإعادة ترتيب الحقائق، وصناعة الروايات، وتقديم الهزيمة باعتبارها انتصارًا، والفوضى باعتبارها حرية، والارتباك باعتباره ثورة، ومحاولات إسقاط الدولة باعتبارها مجرد خلاف سياسي.

ومن المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية التي تبث من الخارج تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها صوتًا للحقيقة، بينما تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات لبث رواية واحدة، وتضخيم الأزمات، وانتقاء الوقائع، وإعادة تدوير الشائعات، واستثمار أي مشكلة داخلية في محاولة لصناعة صورة قاتمة عن مصر ودولتها ومؤسساتها.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الإعلام الوطني، فالإعلام الذي يختار أن يقف إلى جانب الدولة ومؤسساتها في لحظات الأزمات لا ينبغي أن يُختزل دوره في كونه مجرد “إعلام مؤيد”.

فالمسألة أعمق من ذلك، إنها تتعلق بمفهوم الدولة ذاتها، وبحق المواطن في أن يسمع رواية أخرى غير الرواية التي تُضخ إليه من الخارج.

ولذلك فإن وجود أصوات إعلامية قادرة على كشف ما تعتبره تضليلًا، والرد على الشائعات، وتفنيد الخطاب المعادي، وتذكير الناس بتجارب الماضي، يصبح جزءًا من معركة الوعي.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف مصطفى بكري، ومحمد الباز، وأحمد موسى، ونشأت الديهي، لا ينبغي أن يُقرأ بعيدًا عن المشهد الأكبر.

إنهم ليسوا وحدهم في الصورة، خلف كل اسم منهم فريق من الإعداد والتحرير والإخراج والبحث والمعدين والفنيين والصحفيين والعاملين الذين يقفون ساعات طويلة خلف الكواليس، حتى تظهر الرسالة على الشاشة في صورتها النهائية.

ومن ثم فإن أي حملة تستهدف هؤلاء الإعلاميين تمس، بصورة غير مباشرة، منظومة كاملة من العاملين في الإعلام الذين اختاروا أن يخوضوا معركة الكلمة من داخل مؤسسات الدولة، لا من استوديوهات خارجية ممولة من جهات لا يعرف المواطن المصري دائمًا حساباتها ولا أهدافها.

ولا يعني ذلك أن الإعلام المصري معصوم من الخطأ، ولا أن كل ما يقال على شاشاته يجب أن يتحول إلى حقيقة مقدسة. فالدولة القوية لا تخشى النقد، والإعلام القوي لا يخشى التصحيح، والمجتمع الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إسكات المختلف.

لكن الدولة أيضًا لا ينبغي أن تُترك وحيدة في مواجهة ماكينة إعلامية ضخمة تتغذى على الشائعة، وتستثمر في الغضب، وتبحث عن أي ثغرة لتقديمها باعتبارها انهيارًا كاملًا.

هناك فرق بين أن تنتقد الدولة، وأن تعمل على إسقاط الدولة، والفرق بين الأمرين ليس تفصيلًا لغويًا، إنه جوهر المسألة.

فالأنظمة تتغير، والحكومات ترحل، والسياسات قابلة للنقد والتصحيح، لكن الدولة المصرية أكبر من كل حكومة وأبقى من كل مرحلة سياسية. مصر ليست نشرة أخبار، ولا برنامجًا تلفزيونيًا، ولا شخصًا يجلس خلف مكتب، ولا مؤسسة واحدة يمكن اختزالها في اسم.

مصر دولة بتاريخها وجيشها ومؤسساتها وشعبها وكيانها الوطني، ولهذا فإن المعركة الحقيقية يجب أن تكون مع أي خطاب يستهدف إسقاط الدولة أو تفكيك الثقة في مؤسساتها، أيًا كان مصدره، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بحق النقد الموضوعي والمساءلة المهنية.

ومن هنا تأتي رسالة الدعم، إلى مصطفى بكري، الذي حمل قلمه لسنوات طويلة في ساحات السياسة والصحافة، وظل حاضرًا في الملفات التي يرى أنها تمس الأمن القومي المصري.

وإلى محمد الباز، الذي اختار أن يخوض معاركه من خلال الكلمة والتحليل وفتح الملفات، مؤمنًا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما مسؤولية تجاه المجتمع.

وإلى أحمد موسى، الذي جعل من برنامجه ساحة يومية للرد على ما يراه حملات تستهدف مصر، ولم يتردد في إعلان مواقفه بوضوح.

وإلى نشأت الديهي، الذي ظل حاضرًا في مساحة المواجهة الإعلامية، مدافعًا عن الدولة ومؤسساتها في ملفات وقضايا شديدة الحساسية.

وإلى كل فريق يعمل خلف هؤلاء: أنتم أيضًا جزء من المشهد.الكاميرا قد لا تُظهر أسماءكم، لكن الجهد الذي تبذلونه يقف خلف كل دقيقة على الهواء، وخلف كل ملف، وخلف كل معلومة، وخلف كل رد على شائعة.

وإلى كل إعلامي مصري اختار أن يقف إلى جانب بلده ومؤسسات دولته: لا تجعلوا حملات التشويه تدفعكم إلى الصمت، ولا تجعلوا ضجيج الخارج يجعلكم تشكون في قيمة ما تقدمونه.

لكن تذكروا دائمًا أن أقوى سلاح في مواجهة الشائعة هو الحقيقة، وأن أقوى حصن للإعلام هو المهنية، وأن أكثر ما يفسد الحملات المعادية هو أن يظل الإعلامي دقيقًا، هادئًا، موثقًا، وقادرًا على الفصل بين المعلومة والانفعال.

إن معركة الوعي لا تُحسم بالصوت الأعلى، وإنما بالحجة الأقوى، ولا تُحسم بكثرة الشتائم، وإنما بكثرة الحقائق، ولا ينتصر فيها من يملك المال الأكثر، وإنما من يملك القدرة على إقناع المواطن بأن ما يقوله يستحق أن يُسمع.

وفي النهاية، ستبقى مصر أكبر من كل الحملات، وأبقى من كل المنصات العابرة للحدود، وأرسخ من كل محاولات التشويه.

أما الذين اختاروا أن يقفوا في الصف الأول دفاعًا عن الدولة ومؤسساتها، فليعلموا أن خلفهم شعبًا يعرف جيدًا أن المعركة على الوعي ليست ترفًا، وأن الكلمة في بعض اللحظات قد تكون أقوى من الرصاصة، وأن الشاشة قد تكون خط الدفاع الأول عندما يصبح استهداف العقول هو الهدف.

كل التحية لكل إعلامي مصري يضع مصلحة وطنه فوق حساباته، ولكل صحفي ومعد ومخرج وفني وباحث يعمل خلف الكواليس، ولكل صوت اختار أن يكون جزءًا من معركة الوعي.

ففي زمن تختلط فيه الحقيقة بالضجيج، يصبح الوقوف إلى جانب الحقيقة موقفًا، ويصبح الدفاع عن الدولة مسؤولية، وتصبح الكلمة وطنًا.

اقرأ أيضاًضياء رشوان يقترح «ميثاق شرف إعلامي عربي» لمواجهة الشائعات والإساءات

محمد الباز يكشف سر الحملات الممنهجة ضد الانتخابات الرئاسية المصرية

تقديرا لمواقفه في مساندة قضاياهم.. الجالية اليمنية بالخارج تكرم مصطفى بكري «صور»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts