محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية
ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟ هل تريد فقط إبعاد الخطر عن حدودها، أم أن المسألة تتجاوز ذلك إلى إعادة رسم لبنان نفسه، سياسياً وأمنياً، وفق معادلة جديدة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل حديث عن الجنوب وحزب الله والمفاوضات.
فإسرائيل لا تتحرك في الجنوب اللبناني باعتباره مجرد ساحة عسكرية منفصلة عن بقية المشهد.القصف والاغتيالات وتدمير القرى واستهداف البنية العسكرية ليست وقائع منفصلة، وإنما جزء من محاولة فرض واقع جديد يقول للبنان إن ميزان القوة تغيّر، وإن ما كان ممكناً بالأمس لم يعد ممكناً اليوم.
لكن الخطر الأكبر ليس في القصف وحده، وإنما في أن يتحول القصف إلى وسيلة لإعادة تشكيل القرار اللبناني.
لبنان اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد.دولة تريد أن تستعيد وحدها قرار الحرب والسلام، ومقاومة تمتلك تاريخاً طويلاً من المواجهة مع الاحتلال، وعدو يمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وضغوط دولية لا تتوقف، فيما يبقى الجنوب هو الذي يدفع الثمن الأكبر.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين تقف المقاومة؟
ليس السؤال موجهاً إلى حزب الله من موقع الخصومة، وإنما من موقع المسؤولية. فمن يرفع شعار المقاومة ويقدم نفسه باعتباره قوة ردع في مواجهة الاحتلال، يصبح مطالباً بأن يشرح للبنانيين طبيعة المرحلة الجديدة، وما الذي يستطيع فعله، وما الذي لم يعد يستطيع فعله.
فالبيانات السياسية مهما كانت قوية لا توقف الغارات، ولا تحمي البيوت، ولا تعيد الشهداء إلى عائلاتهم. والجنوبي الذي يرى أرضه تتعرض للقصف لا يبحث عن خطاب سياسي، وإنما يريد أن يعرف إلى أين تتجه الأمور.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بتغير موازين القوى ليس عيباً. السياسة ليست بطولة لفظية، والحروب لا تُدار بالشعارات. فإذا كانت التطورات العسكرية الأخيرة قد فرضت قيوداً جديدة على حركة الحزب، أو إذا كانت هناك ترتيبات وتفاهمات لم يعلن عنها، فإن المكاشفة تصبح ضرورة وطنية وليست تنازلاً.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الغموض سياسة دائمة.
لقد قدمت بيئة المقاومة تضحيات ضخمة، وسقط لها شهداء ودُمرت قرى وبيوت، ولذلك فإن هذه البيئة تحديداً من حقها أن تعرف الحقيقة. من حق أهل الشهيد أن يسألوا: ما الهدف؟ وما المرحلة المقبلة؟ ومن يملك القرار؟ وهل ما زالت المعادلة العسكرية والسياسية التي دفعت الناس إلى تقديم كل هذه التضحيات قائمة كما كانت؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الشهداء، وإنما تحترم دماءهم.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعفاء الدولة اللبنانية من مسؤوليتها. استعادة القرار الوطني لا تعني مجرد إعلان أن القرار لبناني، وإنما تعني امتلاك القدرة على حماية هذا القرار. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: كيف يستطيع لبنان أن يفاوض ويحمي مصالحه في الوقت نفسه، بينما يواجه تفوقاً عسكرياً إسرائيلياً وضغوطاً أمريكية ودولية واسعة؟
المفاوضات ليست عيباً في حد ذاتها، لكن الخطر أن تتحول المفاوضات إلى الطريق الوحيد أمام لبنان، وأن يدخلها من موقع الضعف والتفكك، فتتحول أوراق القوة اللبنانية إلى أوراق تفاوضية بيد الآخرين.
وهنا نعود إلى السؤال الأول: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟
ربما لا تريد حرباً شاملة بالضرورة، لكنها تريد لبنان أضعف، وحدوداً أكثر أمناً لإسرائيل، وقدرة أقل على الردع، وترتيبات أمنية وسياسية تمنع تكرار ما تعتبره تهديداً مستقبلياً. والأخطر أن يتحول ذلك تدريجياً إلى أمر واقع يفرض على لبنان إعادة تعريف مفهوم المقاومة والسلاح والسيادة تحت ضغط النار.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في الجنوب، وإنما في من يملك القرار اللبناني.
حزب الله أمام لحظة لا تحتمل كثيراً من المنطقة الرمادية. إذا كان قادراً على الدفاع عن لبنان فليقل ذلك بوضوح ويتحمل مسؤولية هذا الخيار. وإذا كانت الظروف قد فرضت انتقالاً إلى مرحلة جديدة، فعليه أيضاً أن يقول ذلك للبنانيين بشجاعة.
لا أحد يريد انتصاراً داخلياً على المقاومة، ولا يريد حرباً أهلية جديدة، ولا يريد أن يتحول الخلاف حول السلاح إلى صراع بين اللبنانيين. المطلوب هو شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: مقاومة واضحة الوظيفة، ودولة واضحة القرار، وسيادة لا تكون شعاراً.
لبنان لا يحتاج إلى مقاومة تتحول إلى قوة في السياسة الداخلية، ولا إلى دولة عاجزة تكتفي بإدانة الاعتداءات. لبنان يحتاج إلى تجميع كل عناصر قوته في اتجاه واحد: حماية الأرض والمواطن والقرار الوطني.
فالتحرير لا يعني فقط خروج الاحتلال من الأرض. التحرير الحقيقي هو أن يمتلك اللبنانيون قرارهم، وأن لا يصبح الجنوب ورقة في يد إسرائيل، ولا المقاومة ورقة في يد الخارج، ولا الدولة ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يخسر معركة عسكرية فقط، وإنما أن يخسر حقه في تحديد مستقبله.
اقرأ أيضاًحماس: عملية شمال أريحا رد على جرائم الاحتلال وقطعان مستوطنيه.. وشعبنا ماض في المقاومة
التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان.. قصف وتفجيرات تستهدف بلدات ومناطق سكنية
تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل.. وزير خارجية الاحتلال يحذر من إقامة قواعد عسكرية تركية داخل سوريا









