من الشرق الأوسط إلى إثيوبيا.. خرائط التحالفات ترسم ملامح النظام العالمي الجديد

من الشرق الأوسط إلى إثيوبيا.. خرائط التحالفات ترسم ملامح النظام العالمي الجديد

لم يعد العالم يعيش مرحلة انتقالية عابرة كما قد يبدو للبعض بل نحن أمام عملية إعادة تشكيل حقيقية لخريطة القوة والنفوذ.

النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة بدأ يفقد كثيرا من قواعده القديمة وظهرت بدلا منه شبكة معقدة من التحالفات والمصالح والصراعات الاقتصادية والعسكرية التي تتجاوز حدود الدول.

الحرب الروسية الأوكرانية كانت واحدة من أبرز محطات هذا التحول.

فروسيا لم تستطع حسم الحرب لمصلحتها كما كان متوقعا في بدايتها وفي المقابل وجدت أوروبا نفسها أمام واقع جديد فرض عليها إعادة بناء قدراتها العسكرية والنظر إلى أمنها القومي باعتباره مسؤولية أوروبية قبل أن يكون مسؤولية امريكية.

وهنا بدأت واشنطن تعيد النظر في طريقة إدارتها للعالم.

لم تعد أمريكا تريد أن تتحمل وحدها تكلفة حماية حلفائها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، بل يبدو أنها تتجه إلى صيغة جديدة تقوم على توزيع أعباء الأمن بين الحلفاء مع الاحتفاظ بالدور القيادي والتأثير في القرار الاستراتيجي.

هذه الرؤية تفسر كثيرا من التحركات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

فالمعركة مع الصين لم تعد معركة تجارية بالمعنى التقليدي.

إنها صراع على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والأسواق والممرات البحرية وعلى من يمتلك القدرة على صياغة قواعد الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.

الصين بنت نفوذها بطريقة مختلفة عن روسيا، ولم تدخل في سباق احتلال مباشر للدول وإنما استخدمت الاقتصاد والاستثمار والتجارة والبنية التحتية لفتح الأبواب أمام نفوذها السياسي والاستراتيجي.

أصبحت الموانئ والطرق والسكك الحديدية ومشروعات الطاقة أدوات في بناء النفوذ الصيني، وهنا تكمن المشكلة بالنسبة إلى أمريكا.

فالاقتصاد الصيني أصبح مرتبطا بدرجة كبيرة بالاقتصاد العالمي، والسوق الأمريكية كانت لسنوات واحدة من أهم الأسواق أمام المنتجات الصينية

لكن واشنطن تنظر إلى هذا الاعتماد من زاوية مختلفة.

كيف يمكن لدولة أن تعتمد اقتصاديا على قوة قد تتحول في لحظة إلى خصم استراتيجي.

ومن هنا جاءت الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود على التكنولوجيا ومحاولات إعادة توزيع سلاسل الإنتاج العالمية.

المعركة الحقيقية إذن ليست حول سعر سلعة أو حجم الرسوم، إنها معركة على استقلال القرار الاقتصادي والسياسي.

وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ تعمل أمريكا على بناء شبكة من العلاقات والتحالفات تستطيع من خلالها احتواء التمدد الصيني دون أن تضطر بالضرورة إلى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.

اليابان والهند واستراليا والفلبين ودول أخرى أصبحت جزءا من هذه الحسابات، والهدف هو خلق توازن استراتيجي يمنع الصين من التحول إلى القوة المهيمنة على المجال البحري الآسيوي، لكن الأمر لا يتوقف عند آسيا.

فالشرق الأوسط يشهد بدوره إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى.

المنطقة التي ظلت لعقود مسرحا رئيسيا للتدخل الأمريكي أصبحت اليوم أمام واقع مختلف.

أمريكا تريد الحفاظ على مصالحها ومواقعها ونفوذها لكنها في الوقت نفسه تبحث عن ترتيبات تجعل القوى الإقليمية تتحمل قدرا أكبر من مسؤولية أمن المنطقة.

ومن هنا تأتي أهمية التحالفات الجديدة والتفاهمات الأمنية التي تتشكل بين القوى الإقليمية.

وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران التي أصبحت محورا رئيسيا في حسابات الأمن الخليجي والشرق الأوسط، لكن هناك جبهة أخرى لا تحظى دائما بالاهتمام الكافي وهي إفريقيا.

فالقرن الأفريقي لم يعد مجرد منطقة صراعات محلية أو أزمات حدودية.

إنه أصبح جزءا من الصراع على الممرات البحرية والنفوذ في البحر الأحمر وباب المندب والطرق التجارية التي تربط آسيا بأوروبا، وهنا تكتسب إثيوبيا أهمية استثنائية.

فالتقارب المتزايد بين أمريكا وإثيوبيا لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التحولات الجارية في شرق افريقيا والبحر الأحمر.

إثيوبيا دولة محورية في القرن الأفريقي وتمتلك موقعا جغرافيا يجعلها مؤثرة في ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الافريقي وحوض النيل، كما أن سد النهضة جعلها طرفا رئيسيا في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة وهي قضية المياه وأمن مصر والسودان.

ولهذا فإن دخول أمريكا بثقل أكبر إلى المعادلة الاثيوبية يحمل دلالات تتجاوز التعاون الاقتصادي أو الأمني التقليدي، إنه جزء من إعادة رسم شبكة النفوذ في شرق إفريقيا.

واشنطن تدرك أن النفوذ في هذه المنطقة لا يرتبط فقط بالعواصم وإنما يرتبط بالموانئ والممرات البحرية والطاقة والمياه والتجارة والأمن، ومن يملك تأثيرا في القرن الأفريقي يستطيع أن يكون قريبا من واحدة من أهم نقاط الحركة التجارية في العالم.

وهنا تتقاطع ملفات إثيوبيا والسودان والبحر الأحمر ومصر مع الصراع الدولي الأكبر بين أمريكا والصين.

الصين موجودة بقوة في إفريقيا من خلال الاستثمارات والمشروعات والبنية التحتية، وبالتالي فإن التحرك الأمريكي في شرق إفريقيا يمكن قراءته أيضا باعتباره محاولة لمنع تحول النفوذ الاقتصادي الصيني إلى نفوذ استراتيجي دائم.

وهذا يجعل أثيوبيا ورقة مهمة في الحسابات الدولية، لكن الخطورة بالنسبة إلى المنطقة العربية أن تتحول دول الإقليم إلى ساحات للمنافسة بين القوى الكبرى.

فالدول الكبرى لا تتحرك بدافع الصداقة وحدها، إنها تتحرك وفقا لمصالحها وموازين القوة وحسابات المستقبل، ومن الخطأ قراءة التحالفات الدولية باعتبارها ثابتة.

فما يبدو اليوم تحالفا دائما قد يتحول غدا إلى تفاهم مؤقت، وما يبدو خصومة شديدة قد يتحول إلى صفقة إذا تغيرت المصالح، وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة التعقيد.

أمريكا تريد تقليل تكلفة وجودها العسكري المباشر في مناطق العالم المختلفة لكنها لا تريد خسارة نفوذها.

الصين تريد توسيع نفوذها الاقتصادي وتحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة سياسية واستراتيجية.

روسيا تحاول الحفاظ على موقعها كقوة عسكرية كبرى.

أوروبا تبحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

والقوى الإقليمية تحاول بناء ترتيبات جديدة تمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها.

أما إفريقيا فقد أصبحت ساحة مهمة في هذا الصراع، والقرن الأفريقي تحديدا يمكن أن يتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أهم مناطق التنافس الدولي.

ومن هنا يجب أن نفهم أن العالم لا يتجه بالضرورة إلى حرب عالمية شاملة، بل إلى مرحلة طويلة من الصراع غير المباشر.

صراع بالاقتصاد.

صراع بالتكنولوجيا.

صراع بالطاقة.

صراع بالموانئ.

صراع بالممرات البحرية.

صراع بالتحالفات.

وهذه أخطر مراحل الصراع لأنها لا تظهر دائما في صورة حرب واضحة، إنها تجري خلف الأبواب المغلقة وفي الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية وفي قواعد الانتشار العسكري وفي خطوط التجارة والاستثمار.

العالم يتغير بالفعل، لكن السؤال ليس فقط من يملك القوة الأكبر.

السؤال هو من يستطيع أن يوظف قوته بطريقة تجعله مؤثرا في النظام الجديد؟.

ومن يستطيع أن يبني شبكة من التحالفات تمتد من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط ومن البحر الأحمر إلى إفريقيا؟.

إننا أمام عالم جديد لا تحكمه قوة واحدة كما كان الحال بعد انتهاء الحرب الباردة، بل عالم متعدد مراكز القوة تتحرك داخله الدول وفقا لمصالحها وتعيد صياغة تحالفاتها باستمرار.

وفي هذا العالم تصبح الجغرافيا السياسية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

من يسيطر على الممرات البحرية يمتلك ورقة.

ومن يملك الطاقة يمتلك ورقة.

ومن يملك التكنولوجيا يمتلك ورقة.

ومن يملك الغذاء والمياه والأسواق يمتلك أوراقا أخرى.

أما الدولة التي تستطيع جمع هذه الأوراق وبناء تحالفات متوازنة حول مصالحها فهي التي تستطيع حماية قرارها الوطني.

ولهذا فإن ما يحدث في إثيوبيا والبحر الأحمر والشرق الأوسط وآسيا وأوروبا لا ينبغي النظر إليه كأحداث منفصلة.

إنها حلقات في عملية واحدة، عملية إعادة تشكيل النظام العالمي، والسنوات المقبلة لن تكون مجرد صراع بين أمريكا والصين أو بين روسيا والغرب، بل ستكون سباقا على النفوذ وعلى رسم الخرائط السياسية والاقتصادية والأمنية للعالم.

ومن لا يقرأ هذه التحولات مبكرا قد يجد نفسه بعد سنوات أمام خريطة جديدة لم يشارك في رسمها. (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًاقتصاد الخوف.. كيف أعادت القوى الكبرى تشكيل العولمة؟

خبراء و«ذا إنترسبت» و«فورتشن» يعلّقون.. الرابحون والخاسرون من الحرب الأمريكية على إيران

Exit mobile version