أغاني الصيف بين ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض منسوب الخجل – الأسبوع

أغاني الصيف بين ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض منسوب الخجل – الأسبوع

إيحاء «فراولة نفسي اشربها عصير».. وجرأة «بعرف أفك الضفاير»

ربما يتعدى «الصيف» كونه فصلاً من فصول السنة، ليصبح «الحالة النفسية» الأكثر تحرراً من كل الفصول، ففي الشتاء نرتدي «طبقات» من الملابس وربما نضع فوق مشاعرنا «طبقات أخرى»، أما في الصيف فنتحرر من معظمها، نخفف الطبقات ونكسر المسافات، ونفتح النوافذ ويخرج الناس من البيوت إلى الشوارع والشواطئ، وكأن ارتفاع الحرارة يمنح الإنسان «إذناً مؤقتاً» بأن يكون أكثر «صدقا» مع نفسه، وربما أكثر «جرأة» في «التعبير عما يريد».

ولعل البحر هو المكان الذي يكشف بوضوح، تلك الرغبة في التحرر من قيود ورتابة الحياة اليومية، وكأننا نستعير شخصيات أخرى، أو بمعنى أدق، «نستعيد» أجزاءها المخفية تحت طبقات الروتين، ولهذا ارتبط الصيف في الذاكرة دائماً بالأغاني: أغنية على الشاطئ، في السيارة، في الراديو، أو منسابة من كافيتريا بعيدة، أو حتى من مقهى شعبي.

وليس غريباً أن تكون أغاني الصيف أكثر خفة، وجرأة من أغاني الشتاء الدافئة، فالفن، مثل الإنسان، يتأثر بدرجة الحرارة، ويتخفف من «الطبقات»، ويطلق عنان الخيال لأبعد مدى، فتكتسب الأغنية «لساناً» يعبر بوضوح عن «الرغبة في الانطلاق»، أو «الحب»، ولكن ماذا حدث لهذا اللسان؟ وكيف تغيرت الطريقة التي يقول بها المحب ماذا يريد من محبوبه؟ وهل فتح العصر الحالي “ستار الشعر” الذي كان يخفي وراءه الرغبة، داخل «الاستعارة» و«المجاز»، لينكشف كل شيء «عياناً بياناً» أمام الجميع، بلا خجل؟

في زمن الأبيض والأسود، كانت «لغة العيون» في الأغاني تتحدث بلسان يخفي أكثر مما يفصح، أما اليوم، فأصبحت عيون الرجل تتبع كل تفاصيل المرأة: الشفايف، والضفاير، والفستان، والتاتو، وتحولت المرأة من “حلم” إلى «جسد مكشوف» مرئي ومسموع وقابل للوصف التفصيلي، وحتى «القبلة» التي كان يمكن أن تظل مختبئة خلف الستار، أصبحت “تسمّى” باسمها، عادي جداً، في «أول بوسة تتباس في حياتي» لفريق “كايروكي”، حين استعادها كذكرى حميمة وبريئة، في نفس الوقت!

المفارقة، أن الرجل لم يعد وحده صاحب المبادرة في أغاني الحب، فالمرأة أصبحت تقول “أريد”، و”تعال”، و”أفتقدك”، بل تحولت من “مفعول به” إلى “فاعل” في بعض الأحيان، تتحدث عن رغبتها، و”تعاتب” حبيبها الذي “نام ننه” وتركها فريسة للشوق يحرقها وحدها، وها هي “روبي” تضرب من جديد في هذا الصيف بأغنيتها: “الحب إيه”، وتعدّد مزايا الحبيب بقولها “بيحقق رغباتي وينفذ طلباتي ومدلعني”!!

وكأن الصيف قد أغرى “صناع الأغنية” بعدم الاكتفاء بقول: “أحبك”، وتمادوا إلى “رأيتك، وأعجبت بالفستان والضحكة والتاتو، وأريد أن أقترب أكثر”، وهنا تبدأ حكاية تغير اللغة في الأغنية من “جفنه علم الغزل”، و”أمل حياتي”، و”الحب من غير أمل”.. .إلى “يا فراولة نفسي اشربها عصير”، و”أعرف أفك الضفاير”، طفرة هائلة من زمن كانت “عينا” العاشق تسهران وتبوحان بالغرام عن بُعد، إلى زمن أصبحت فيه “الفراولة والشفايف والتاتو” جزءاً من قاموس الغزل، لتتقافز الأسئلة: هل نحن أمام تحرر حقيقي من قيود التعبير عن الحب؟ أم أن الحب نفسه تحول إلى لغة أكثر استهلاكاً للصورة والجسد؟ هل أصبحت الأغنية أكثر صدقاً و”اقتراباً” حين أصبحت تقول ما كان يخفيه “مجاز الشعر”؟ أم أنها فقدت شيئاً من سحرها، لأنها لم تعد تترك للخيال مهمة “إكمال الصورة”؟

قديماً، كان الغزل فن “الاقتراب دون اقتحام”، أما الآن، فلا صبر للعاشق على الانتظار، صار يقول كل شيء بشكل مباشر، لا يترك لنا شيئاً نفهمه وحدنا، ولعل المفارقة أوضح بما جاءه “الهضبة”، أحد أهم أصحاب “مشروع الرومانسية في الأغنية الحديثة”، حين تحرر من الحواجز في أغنيته “الألوان”، وأصبح “يشرب حبيبته عصيراً”، وليست المشكلة في التشبيه، فـ”الفراولة بتاع الفراولة”، غناها الناس منذ زمن، لكنها الآن ليست استعارة للجمال، بل “مشروب” يتذوقه الرجل، انتقالاً من “وصف المرأة” إلى “استهلاكها”، عرف طعمها على أيدي شاعر شاب وصف نفسه بأنه “نمبر وان”، بعد شهرته بأغاني مهرجانات «عود البطل»، و«بنت الجيران»، وأغاني فصحى «يا أميرتي»، و«يا مولاتي»، اللتين “شوهتا” اللغة العربية وقواعد النحو وجعلتنا أضحوكة أمام العالم، حين عرضتا في دراما رمضان الماضي، وقبل الماضي!!

نفس الشاعر، خرجت على يديه أحدث أغاني الكينج محمد منير، “يسألوا عنك”، يقول فيها «أعرف أفك الضفاير وأقرا العين الجريئة»، والمفارقة هنا، أن “منير” صاحب اللغة الشعرية الخاصة، يقترب من تفاصيل الجسد، دون أن يتخلى عن الشعر بقوله «هكتب عنك قصايد»، وشتان بين أغنيته الجديدة، وأغنيته «يا حلوة يا أم الضفاير» التي جسدت الضفاير كـ«قيمة وبراءة»، وكتبها الشاعر جمال بخيت، منذ أكثر من “40” عاماً!

ومع الجيل الأصغر، أصبح التحول أوضح، وبسهولة يتذوق الحبيب «طعم حبيبته»، من خلال محمود العسيلي الذي يقول في أحدث أغانيه “عاملة فيها من إيجيبت”: “جمالك محشي حواوشي أكلت صوابعي وراه”، بينما اقترب الشاب “المقنع”، تووليت، في أحدث أغانيه “جريئة أوي”، من لغة المحادثات اليومية في “الشات”، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بداية من “النظرة دي جريئة أوي عجباني”، انتهاء بـ”إلبسي أي حاجة وانزلي لي”، وكأن الأغنية لم تعد بحاجة إلى “مقدمات في فن الغزل”، فلا وقت للمجاز، وفي أغنيته “قسم الشكاوي” لم تعد الحبيبة حالة وجدانية، أصبحت صورة يريد الرجل أن يعرضها على الآخرين بقوله “شوفولي عنيها”، وكأنها مثلاً صورة قابلة للعرض والمشاركة (لايك وشير)!!

وأطلت “شيرين” مع “حماقي” بأغنية بها درجة من “حميمية اللقاء”، حيث تدعوه لزيارتها في البيت، و”ما يخافش من مامتها”، بأغنية “بحرية”، لا تحتاج إلى وصف الجسد، فالحب انتقل من القصيدة إلى البيت مباشرة، بمبادرة المرأة، وعلم والدتها!، بينما انتقلت الجرأة عند “أنغام” إلى تحول المرأة من حالة “الانتظار”، إلى القوة والقدرة على الرفض واتخاذ القرار، وممارسة الحق في الاختيار والتعبير عن الرغبة.

في صيف 2023، كانت أغنية “الساحل الشمالي” لميريام فارس ومحمد منير، نقلة نوعية، من وصف جمال ظاهر، إلى تلميح لما هو “خفي” في الجسد، “التاتو” الذي لم يره أحد، وفي نفس الصيف، لمّحت “روبي” لما هو أبعد من ذلك بكثير في أغنيتها “3 ساعات متواصلة”!!

الطريف، في صيف 2025، أن “الجرأة” كانت “موضوعاً للتفاوض”، داخل أغنية “بابا” لعمرو دياب، حيث كشف صناعها، المقطع المحذوف من الأغنية، والذي تضمن صوراً “حسية” مثل “شلال عسل”، و”تفاح الخدود”، وكأن شيئاً “ذاتياً” أشبه بالرقيب، قرر “حذف المقطع الجريء”!

أما السؤال الشائك: “هل كان الماضي عفيفاً جداً؟”، بالطبع لا يمكن إصدار أحكام مطلقة، ولا يمكن أن نستسلم لـ”الحنين السهل”، أو “النوستالجيا الساذجة”، فالأغنية القديمة لم تكن كلها عفيفة، كان هناك “طقاطيق”، و”مونولوجات” شعبية أكثر جرأة، مطلع عشرينيات القرن الماضي، ومن المفارقات أن أم كلثوم نفسها غنت في بداياتها “أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي”، فالتاريخ لم يكن خطاً مستقيماً طيلة الوقت، ولكن الجرأة كانت مختبئة في “جيوب الأغاني” من طقاطيق وغيرها، حتى أن أم كلثوم، توقفت عن هذه الجرأة في عصرها الذهبي، بل أنها طلبت تغيير كلمة “شفايفك” لتجعلها “ابتسامتك”، كفاية تصحى عليها، في أغنيتها الشهيرة «أمل حياتي»!

أما اليوم، فقد تحركت الجرأة من الهامش إلى قلب الأغنية، وتبدّل الحال من “الإيحاء” إلى “التصريح”، وخضع الجسد لـ”التشريح الدقيق”، للوصول إلى «صدارة التريند»، في ظل “اقتصاد الانتباه” الذي يمنح “بضعة ثوانٍ” فقط للأغنية، وإلا يتم تغييرها بدافع الملل، فأصبحت “الجملة الصادمة” هي الأسرع انتشاراً، والأكثر “استماعاً” على المنصات الرقمية، بعد الانتقال من عصر النظرة «التي تحتاج مسافة»، إلى “اللقطة” التي تتطلب الوضوح والاقتراب، فهل إيقاع العصر هو الذي قتل “المسافة الجمالية” في الغزل؟

اقرأ أيضاًعمرو دياب يشوق جمهوره لموعد طرح ألبومه الجديد «حبيتك»

«قلبي عم يدق».. ديانا حداد تكشف كواليس بروفات حفلها بمهرجان العلمين (فيديو)

«بينهم آمال فريد ونادية فهمي».. فنانون سبقوا محيي إسماعيل للإقامة في دور رعاية الكبار

Exit mobile version