مقالات

ما لا تراه الكاميرات.. وما لا تراه المؤسسات

كشفت حادثة مدرسة سيدز الدولية بالعبور، وما أعقبها من حادثة مدرسة الإسكندرية للغات وواقعة غرق الطفل يوسف لاعب نادي الزهور، عن ثغرة خطيرة تتجاوز مجرد وجود الكاميرات أو غيابها.

فهناك دائمًا أماكن معزولة وزوايا خفية لا يلتفت إليها أحد، بينما تمنح الكاميرات الظاهرة في الممرات والمداخل وحول المنشآت إحساسًا زائفًا بأن كل شيء تحت السيطرة، وما لا تلتقطه العدسات قد يكون أخطر مما تلتقطه، والخطر الحقيقي يكمن في شعورنا بالطمأنينة تجاه النظام، لمجرد أنه يبدو منضبطًا، دون التأكد من جودة المراقبة أو التطبيق الفعلي للإجراءات على الأرض.

في كل مؤسسة، مهما كان نوعها، توجد نقاط عمياء تتشكل تدريجيًا، ليست الأخطاء وحدها ما يخلقها، بل الاعتماد على ما يبدو آمنًا، والتسليم بأن الأمور مستقرة طالما لم يظهر خلل. أخطر ما في هذه النقاط العمياء أنها غالبًا واضحة لمن ينتبه، الخطر موجود دائمًا، لكن أحدًا لا يربط الإشارات المتفرقة، أو يبالغ في الثقة بالنظام، أو يفترض أن ما لم يحدث بعد لن يحدث، أو يتجاهل التفاصيل الصغيرة التي تحمي من الانهيار، هذه اللحظات الصغيرة، التي قد تبدو غير مهمة، هي في الواقع ما يحدد الفرق بين الوقاية من الأزمات وحدوثها.

مع تراكم المسؤوليات وضغط العمل، يصبح الموظف أو المشرف مرهقًا إلى درجة تمنعه من مراقبة كل التفاصيل الدقيقة، نقص الموارد البشرية أو توزيع المهام بشكل شكلي يؤدي إلى ترك مساحات بلا إشراف فعلي، قد يمر طفل وحيد في ممر منعزل، أو ينتظر مراجع دون رعاية، أو توجد غرفة مهملة لا يراها أحد.

كل ذلك مؤشرات على أن النظام يترك فجوات تتسع يومًا بعد يوم، بينما يبدو السطح منضبطًا ومطمئنًا للعيون. وفي كثير من المؤسسات، الالتزام بالنظام الظاهر أحيانًا يكون على حساب الرؤية الفعلية لما يحدث في المناطق غير المرئية، ما يضخم النقاط العمياء دون أن يشعر بها أحد.

النقاط العمياء لا تتعلق فقط بالمراقبة المادية، بل تشمل أيضًا المعلومات والسياسات والقرارات، عندما تُتخذ قرارات مهمة على أساس افتراضات غير دقيقة، أو تُتجاهل مؤشرات التحذير، يصبح الخطر أعظم وأعمق، المؤسسات التي تتجاهل المراجعة الدقيقة والتقييم الواقعي للسيناريوهات المحتملة غالبًا ما تدفع الثمن لاحقًا، ليس فقط ماديًا، بل اجتماعيًا وأخلاقيًا، مما يقوض ثقة الجمهور أو الموظفين ويضعف سمعة المؤسسة. الإدارة الفعالة ليست مجرد تطبيق الإجراءات، بل فحص مستمر لكل الافتراضات، واستشراف المخاطر قبل أن تصبح أزمات ملموسة.

وإذا كان الواقع يكشف هذا الدرس اليوم، فإن التاريخ يعيد تأكيده باستمرار: أخطر الكوارث تبدأ من ثقة مفرطة في النظام ومن تجاهل التفاصيل. أمام هجمات 11 سبتمبر كانت الإشارات موجودة لكن غابت يد تجمعها. وفي تشرنوبل كانت علامات الخلل واضحة لكن ثقافة الخوف سيطرت على الإبلاغ. أما تايتانيك فغرقت لأن شعار “لا تغرق” كان أعلى من صوت الحذر.

وفي الأزمة المالية العالمية كانت المؤشرات تصرخ، لكن الأرباح أعمَت العيون. وحتى كورونا سبقتها تحذيرات علمية لم تجد آذانًا صاغية. وما حدث في يناير 2011 في مصر يعكس أيضًا فكرة النقاط العمياء السياسية والاجتماعية، حيث تراكمت الإشارات والتحذيرات المجتمعية دون أن تُستجاب حتى انفجر الوضع.

مواجهة النقاط العمياء تتطلب ثقافة مؤسسية متكاملة، مراجعة مستمرة لما نفترض أنه آمن، حضور فعلي على الأرض، توزيع مسؤوليات يتناسب مع قدرة كل فرد، وتعزيز التواصل بين الفرق لضمان تبادل المعلومات بدقة وشفافية.

كما أن التعليم المستمر للموظفين حول اكتشاف المخاطر والتحليل النقدي يعزز من فرص التقاط ما لا يراه الآخرون. السؤال المستمر لدى كل مسؤول يجب أن يكون: «ما الذي لا نراه؟». الإجابة على هذا السؤال لا تأتي من التقنية وحدها، بل من دمجها بالوعي، والملاحظة الدقيقة، والقدرة على التفكير في الاحتمالات المختلفة قبل أن تتحول الثغرات إلى أزمات.

المؤسسات القوية ليست تلك التي تبدو محمية أو متحكمة، بل التي تعرف أين تبدأ حدود رؤيتها، وتعمل على ملء الفراغات قبل أن تتحول إلى كارثة.

النظام الحي هو الذي يراقب ما وراء المظاهر، ويستثمر كل الإشارات الصغيرة لتجنب المفاجآت غير المرئية، ويحول النقاط العمياء من مصدر خطر إلى فرصة لتحسين الأداء والسلامة. ما لا تراه الكاميرات هو ما يصنع المفاجآت المؤلمة، والمؤسسات التي تفهم هذا الدرس هي التي تظل صامدة، وتستمر في حماية كل من يعتمد عليها.

يوسف ورداني، مدير مركز تواصل مصر للدراسات، مساعد وزير الشباب والرياضة السابق

اقرأ أيضاًعاجل| النيابة العسكرية تطلب ملف قضية هتك عرض أطفال مدرسة «سيدز» لاستكمال التحقيقات

عنف وتنمر وهتك أعراض.. هل تحولت المدارس الدولية إلى أوكار لاغتيال البراءة؟

اعتداءات جنسية على طلاب KG2 تكشفها التحقيقات.. ومحامي الضحايا: «جريمة منظمة»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts