“هي العيش في فجوةٍ بين زمنٍ وَلَّى ولن يعود، وقلبٍ يرفض أن يغادر ذلك الزمن”.. هذا هو تعريف “النوستالجيا” في أبسط معانيها. وبتفصيل أكثر، هي تلك الحالة الشعورية التي تجمع بين لذة الذكرى ومرارة الفقد.هي ليست مجرد تذكر للماضي، بل هي “وجعٌ جميل” يداهم الإنسان عندما يشعر بأن جزءًا من روحه لا يزال عالقًا في زمنٍ مضى مع من يحبهم، وكانوا جزءًا مؤثرًا من رحلة الحياة – بحلوها ومرها-.
ورغم مرور الزمن على رحيلهم، ما زالوا عالقين في القلب والذاكرة، حيث الحنين إليهم لا ينقطع، ولكنه يزداد اشتعالًا في أوقاتٍ لا يمكن تفسيرها.. ربما نتيجة لتكرار مواقف معينة، أو وقوع حدث ما، المهم أن “نوستالجيا الحنين” تتأجج، وهنا يتحرك “القلم” ليعبر عن تلك الحالة الإنسانية الحزينة.. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، يزيد من صعوبة “النوستالجيا” في حالتي.. أنني صحفي وكاتب أعبر غالبًا عن مشاعري نثرًا.. غير أن “طيف الشعر” يزورني كل عدة سنوات – وهو الذي يغادرني دائمًا-. ومن هنا، تزداد المشقة وتشتعل المشاعر ويتفافم “الحِمْل النفسي” للتعبير عن حالة “النوستالجيا”.
ومؤخرًا، داهمتني “النوستالجيا” عن ثلاثة من الذين أثروا وأثّروا في حياتي:
– أمي.. التي لا تغيب عن ذهني أبدًا منذ رحيلها عام 2005م.
– الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر.. والذي اقتربت منه إنسانيًا وثقافيًا لعدة سنوات قبيل وفاته عام 2010م.
– الكاتب الصحفي الكبير وعضو مجلس الشيوخ السابق أ. محمود بكري.. والذي بدأت معه مشواري الصحفي بجريدة “الشعب” منذ عام 1992م، ثم بـ “الأسبوع” الغرّاء، مرورًا بتجربة صحيفة “المحرر” الباريسية، فضلًا عن العلاقة الإنسانية كأخ أكبر ليّ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهي العلاقة التي أعتز بها طوال حياتي، واستمرت رغم سفري لسنوات طويلة خارج مصر حتى وفاته عام 2023م.
وللثلاثة (رحمهم الله)، أكتب هذه “النوستالجيات”.
(1) إلى.. أمي
في زوايا البيتِ..
صمتٌ يشبهُ الغياب،
ووجهُكِ المحفورُ في
جدارِ الروحِ لا يغيب،
يا طهرَ صلواتٍ كانت
تحميني من عثراتِ المدى،
رحلتِ.. فصارَ الكونُ باهتًا كلوحةٍ منسية،
لكنّ طِيبَكِ المنسكبَ في دمي..
هو ما يُبقيني حيًا
(2) إلى.. محمد عفيفي مطر
في حضرة الطمي العتيق
من جُبة الأرض خرجتَ..
تجر وراءك موالًا من الوجع القديم،
تغرس في مسام الحرث صوتكَ..
فيصير القمح أبجدية،
ويصير النخيل مآذن تتلو خبايا الروح
(3) إلى.. محمود بكري
غَابَ الكَلامُ.. وَصَمْتُنا مَسْجُونُ
وَالحَرْفُ بَعْدَكَ شَاحِبٌ وَحَزِين
.. يَا فَارِسَ الكَلِماتِ
يَا مَنْ نَحَتَّ الحَقَّ فِي صَخْرِ المَدَى
حَتَّى اسْتَفَاقَ لِصَوْتِكَ الكَوْن
مَحْمُودُ.. مَا جَفَّ حِبْرُكَ فِي الضَّمِيرِ
وَإِنَّمَا قَدْ صَارَ نَهْرًا بَيْنَنا يَجْرِي
وَأَنْتَ لَهُ المُتُون
فِي ذِمَّةِ الرَّحْمَنِ تَبْقَى..
وَالدُّعَاءُ لَكُمْ يَهون.









