لا يمكن قراءة المشهد الراهن داخل أروقة تنظيم “الإخوان” الإرهابي المصري وتوابعه في الخارج، بمعزل عن تلك اللحظة التي قرر فيها أن يرفع سقف الأوهام إلى أعلى طبقات فضاء الكذب والخداع فوق منصة “رابعة”. لم تكن الجماعة تدير اعتصامًا سياسيًا بالمعنى المفهوم، ولكن كانت تسعى لتصدير صورة “مدينة فاضلة” معزولة عن الواقع، لا تحكمها قوانين الأرض، بل تحفها الرؤى والأساطير والمظلوميات الكاذبة.
كان التسويق الممنهج لتلك الحالة يعتمد على “المقدس” لا “السياسي”، فالمعتصمون هناك ليسوا مجرد أنصار لتنظيم إرهابي سقط عن الحكم، ولكنهم – وفق زعمهم – “المجتمع الرباني” الذي يتنزل بينهم جبريل، وتأتيهم بشريات النصر في رؤى منسوبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). كان الهدف من هذا الشحن العاطفي واضحًا: إضفاء صفة “الفريضة الدينية” على معركة البقاء السياسي، وتزييف الصورة من فشل في الحكم إلى “جهاد” مقدس، لإسقاط باطل مزعوم وإحقاق حق متوهم. كانت تلك هي “الخديعة الكبرى” التي ارتكزت على ثنائية الخير المطلق والشر المطلق، لكن الخدعة لم تصمد طويلًا أمام رياح الواقع المريرة.
من “الخلافة” إلى “الارتزاق”:
بعد الرابع عشر من أغسطس 2013، وفض التجمعات التي تحولت إلى بؤر مسلحة، تفرق هذا الجمع. لم يذهبوا إلى مواجهة مصيرهم مع قواعدهم التي تركوها خلفهم، ولكن أمسكوا بذيول القيادات ولحقوا بهم في “دول الملاذ الآمن”. هناك، بدأت رحلة إعادة تدوير الأساطير، لم يعد الخطاب يتحدث عن “التمكين” في القاهرة، بل انتقل إلى أدبيات “المظلومية” و”الهجرة”. زعموا أنهم “مهاجرون في سبيل الله”، وأن العواصم التي استقبلتهم هي “دار هجرة” مؤقتة، استعدادًا لعودة “نبوية” مظفرة، مرددين شعارات “الانقلاب يترنح” و”مرسي راجع”، كنوع من التخدير الفكري طويل المفعول للأتباع الحالمين.
باسم “أسر المحبوسين” و”دعم المهاجرين”، تدفقت أموال التبرعات، وأنشئت الجمعيات والمكاتب الفارهة. لكن تحت هذه القشرة من الورع المصطنع، كان هناك “عفن سرطاني” يتسلل إلى العظام. خلف الأبواب المغلقة، لم تكن النقاشات تدور حول فكر سيد قطب أو حسن البنا، ولكن كانت تدور حول تقسيم الغنائم. انفجرت الخلافات كجرح غائر، ولم تكن صدمة الخارج هي التي هزت أركان التنظيم، ولكن كان “الطوفان الداخلي” الذي كشف أن “أدعياء الربانية” ليسوا سوى تجمع لمصالح مادية متضاربة.
العمالة تحت ستار الدين:
لم تعد الاتهامات تأتي من خصوم الجماعة التقليديين، بل جاءت بصوت “الإخوة” أنفسهم. انفجرت سلسلة من الفضائح التي كشفت عن وجه “شيطاني” خلف قناع “الدعوة الربانية”. بدأنا نسمع عن اتهامات التحرش، والشذوذ، والشروع في اغتصاب أجنبيات في دول الملاذ الآمن، واتهامات أخرى متبادلة بالنصب والاحتيال، وتزوير جوازات سفر ووثائق ثبوتية، لتمكين عناصر خطرة من التنقل. تَحول “الجهاد” إلى “سبوبة”، حيث يتم التربح من تهريب الإرهابيين ونقلهم من دولة إلى أخرى، وتقاضي عمولات ضخمة مقابل تسهيل إجراءات الإقامة الإنسانية أو الحصول على جنسيات بديلة.
الأكثر إيلامًا كان الكشف عن نهب مئات الآلاف من الدولارات التي تدفقت من التبرعات ومنابع التمويل المشبوه، بدعوى أنها مخصصة لأهالي السجناء، بينما كانت تذهب لتمويل حياة الرفاهية لبعض القيادات أو تضيع في صراعات الأجنحة. وصلت الوقاحة إلى حد التلاعب بأموال مخصصة لإغاثة ضحايا الحرب في غزة، أولئك الذين صدعوا الرؤوس بشعار “على القدس رايحين شهداء بالملايين”، وُجدوا غارقين في وحل سرقة قوت الضحايا، وتوظيف القضية الفلسطينية كدجاجة تبيض ذهبًا وتخدم مصالحهم الضيقة. واشتعلت “حرب العصابات” الداخلية: تنصت، تسجيل مكالمات، خيانة، وتخابر مع أجهزة استخبارات أجنبية لتعزيز نفوذ جناح على حساب آخر.
فضيحة يناير 2026:
مع بدايات شهر يناير 2026، انفجر بركان كان خامدًا لسنوات. بطل الفضيحة ليس مجرد كادر عادي، بل أستاذ جامعي وقيادي شبابي، كان يتصدر الشاشات كوجه حقوقي يدافع عن المظلومين، ويقدم نفسه كـ “حاضن” لأسر المحبوسين والهاربين، وقدم نفسه في صورة الراعي الداعم للوجوه الجديدة التي دفعت بها الجماعة لارتكاب جرائم الاعتداء على السفارات والقنصليات المصرية في عدد من الدول.
سقط قناع “الوجه النبيل” عندما خرجت أصوات نسائية من داخل دوائر النشطاء المزعومين، والكيانات الإخوانية والمتأخونة نفسها، بصرخات مكتومة تحولت إلى طوفان من الشهادات. الاتهام كان صادمًا: ابتزاز جنسي مقابل صرف المساعدات المالية، استغلال لحظات الاحتياج القصوى والضعف الإنساني، لتحويل المعونة إلى “ثمن” لانتهاك الأعراض.
رد فعل القيادة الإخوانية كان أكثر خزيًا من الفعل ذاته، فبدلاً من المحاسبة، تحركت آلة “الاحتواء” للتغطية على فضيحة “الشخصية الكبيرة”، وساد صمت القبور بين الشيوخ الذين طالما صدعوا الرؤوس بشعارات الفضيلة ومكارم الأخلاق. هذا الصمت أكد أن الأولوية ليست للحقيقة، ولكن لحماية “الصنم التنظيمي” من الانكسار أمام الجماهير.
انهيار النموذج ونهاية الأسطورة:
لقد استيقظ المتعلقون بقناع الفضيلة الزائفة على واقع مرير، وانهيار كامل لنموذج الاستعلاء بالإيمان والورع الكاذب. لقد بنت الجماعة شرعيتها على فكرة أنها “الفرقة الناجية”، وأن المجتمع خارجها هو “جاهلية” أو “شر مطلق”، ولكن حينما يأتي السقوط من الداخل، وبشهادات رفاق الدرب، وبأحكام قضائية في الدول التي آوتهم، فإن خطاب الخديعة يسقط بالضربة القاضية.
رحلة الجماعة من “المدينة الفاضلة” المزعومة في “رابعة”، وصولاً إلى “مستنقع الفضائح” في دول الملاذ الآمن، هي قصة تحول دراماتيكي كشفت أن “قناع الربانية” كان مجرد ساتر لهشاشة تنظيمية قديمة. لقد فشلوا في كل شيء: فشلوا في إدارة الدولة حين أُعطوا الفرصة، وفشلوا في إدارة الاعتصام فحولوه إلى قلعة للعنف والدم، وفشلوا في إدارة المنفى فتحول إلى ساحة للفساد والتحرش والصراع على عظام بالية.
اليوم، يعيش الكثير من الشباب الذين غُرر بهم حالة من الصدمة الوجودية. الصدمة ليست في فشل المشروع السياسي، ولكن في اكتشاف أن “القداسة” التي بايعوا عليها كانت محض وهم، وأن “القادة الربانيين” شياطين تملكتهم الأهواء والشهوات الجامحة. لقد كشفت رحلة الهروب الكبير أن الواقع بتعقيداته وأمراضه أقوى من الشعارات الجوفاء، وأن الأقنعة مهما بلغت درجة إتقانها، لابد أن تسقط لتكشف عما تحتها من وجوه شيطانية تاجرت بكل شيء: بالدين، بالوطن، وحتى بآلام المكلومين.
ولا تزال التساؤلات حائرة في فضاء الحقيقة: كم من الأساطير الإخوانية الأخرى تحتاج للانهيار؟ وكم من الضحايا يجب أن يصرخوا قبل أن يدرك من تبقى من المخدوعين أن “المدينة الفاضلة” لم تكن سوى فخ كبير، وأن الطريق الذي بدأ بالكذب والخداع، ينتهي بالخيانة والفضائح؟









