لم يعد الانحراف الأخلاقي مجرد سلوك فردي عابر، ولا حادثة معزولة يمكن تجاوزها، بل أصبح مشهدًا متكررًا يكاد يرسم ملامح زمن تتآكل فيه القيم بصمت، ويعلو فيه صوت الفوضى على صوت الضمير، لم تعد الشوارع مجرد طرق للعبور، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات صراع ومسارح يومية للضجيج والعنف والبلطجة، حيث تتراجع هيبة القانون، ويضعف الشعور بالأمان، ويشعر الإنسان أن المجتمع ينزلق ببطء نحو حافة خطرة.
لم نعد أمام مشاجرات عابرة أو انفعالات لحظية، بل أمام مناخ عام يتشكل، وثقافة تتسرب، وشعور جماعي بأن النظام الأخلاقي الذي كان يحكم العلاقات الاجتماعية قد أصابه تصدع عميق.
لقد تغيّر وجه الشارع، فبعد أن كان مساحة للحياة والترابط والتسامح الفطري، أصبح في كثير من مشاهده فضاءً مشحونًا بالتوتر، سريع الاشتعال، قاسي الإيقاع، الضوضاء لم تعد مجرد صوت، بل حالة نفسية عامة، والعنف لم يعد رد فعل، بل لغة يومية، والبلطجة لم تعد انحرافًا معزولًا، بل سلوكًا يتكرر حتى يوشك أن يصبح مألوفًا.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحوادث ذاتها، بل في تحولها إلى مشهد عادي، فالاعتياد على الخطأ أخطر من الخطأ نفسه، حين يرى الطفل العنف في الشارع، ويشاهده في وسائل الإعلام، ويسمع عنه في محيطه، تتشكل لديه صورة مشوهة عن القوة والحق، فيظن أن الصوت الأعلى هو الأصدق، وأن اليد الأقوى هي الأعدل، وهكذا يتوارث المجتمع القسوة جيلاً بعد جيل، يبدأ العنف كلمة، ثم يصبح سلوكًا، ثم يتحول إلى ثقافة، ثم يصير نظامًا غير معلن يحكم العلاقات بين الناس.
والسؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟ بل: لماذا حدث؟
لا شك أن الضغوط الاقتصادية، والقلق النفسي، والإحباط الاجتماعي، والشعور بالظلم، عوامل تثقل كاهل الإنسان، لكن الضغوط وحدها لا تصنع الوحشية، بل غياب القيم هو ما يحول الألم إلى عنف، حين تغيب التربية يحضر الانفلات، وحين تختفي القدوة يظهر التشوه، وحين يموت الضمير يصبح كل شيء مباحًا.
لقد تراجع دور الأسرة كمصنع للأخلاق، وتراجعت المدرسة كمؤسسة للتربية، وضعف الخطاب القيمي في المجتمع، وتحول الإعلام في كثير من الأحيان إلى صناعة للإثارة لا صناعة للوعى، فنشأ جيل يحمل معرفة بلا حكمة، وقوة بلا رحمة، وحرية بلا مسؤولية، وهنا يتجاوز الأمر حدود السلوك الفردي ليصبح أزمة منظومة كاملة.
والمجتمع الذي تسوده البلطجة لا يمكن أن يعرف الاستقرار، والمجتمع الذي يخاف فيه الإنسان من الشارع يفقد ثقته بنفسه، حين تنتشر الفوضى يختفي الشعور بالأمان، وتتآكل الثقة بين الناس، ويزداد الاحتقان الاجتماعي، وتتراجع القيم الإنسانية، ويصبح الخوف الرابط الأساسي بين الأفراد، والأخطر أن الانحراف لا يبقى في الشارع، بل يعود إلى البيوت، فيصيب الأسرة، ويمس العلاقات الإنسانية، ويهدم أساس المجتمع من الداخل، فالشارع مرآة للبيت، والبيت مرآة للشارع، وكلاهما يعكس حالة واحدة.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلل اجتماعي، بل اختبار حضاري حقيقي، فالحضارة لا تقاس بالمباني ولا بالتكنولوجيا، بل تقاس بقدرة الإنسان على ضبط سلوكه واحترام الآخر وصون كرامة المجتمع. وحين تسقط الأخلاق يسقط البناء كله، مهما بدا قويًا من الخارج، فالأمم لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل حين تضعف منظومة القيم، وحين يصبح الخطأ مقبولًا، وحين يفقد الناس حساسيتهم تجاه الشر.
إن الخروج من هذا الواقع لا يكون بالقوانين وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل. نحتاج إلى تربية تعيد الاعتبار للأخلاق قبل النجاح، وتعليم يزرع الضمير قبل المعرفة، وإعلام يقدم القدوة بدل العنف، وخطاب ديني واجتماعي يعيد مركزية الرحمة، ومجتمع لا يصمت على الانحراف ولا يتسامح معه، فالقيم لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة، ولا تُبنى بالوعظ وحده، بل بالتربية الطويلة التي تصنع الإنسان.
إن المجتمع الذي يفقد رحمته يفقد إنسانيته، والشارع الذي تضيع فيه الأخلاق يصبح غابة بلا قانون، والإنسان الذي يعتاد الفوضى يفقد القدرة على بناء المستقبل. نحن اليوم أمام لحظة اختيار حقيقية: إما أن نستعيد القيم التي صنعت إنسانيتنا، أو نترك الانحراف يرسم ملامح الغد.
فالرحمة ليست رفاهية، بل ضرورة.
والأخلاق ليست خيارًا، بل أساس البقاء.
فلنعد إلى إنسانيتنا قبل أن يصبح العنف عادة، والفوضى نظامًا، والانحراف قدرًا لا مفر منه.!!
اقرأ أيضاًبعد واقعة «شاب بنها».. سما المصري لمحمد رمضان: أنا وأنت أفسدنا «جيل كامل» بالعري والبلطجة
مصطفى بكري: معيار نجاح الحكومة هو رضا المواطن
مصطفى بكري: الوزراء الجدد في الحقائب الخدمية أمامهم مهام ثقيلة









