مقالات

تولستوي يفضح التدين الاستعراضي في مجتمعاتنا – الأسبوع

لم يعد السؤال اليوم: هل نحن متدينون؟

بل السؤال الحقيقي: هل أصبح التدين مجرد استعراض اجتماعي؟

في زمن تحوّلت فيه العبادة إلى مظاهر، والصدقة إلى إعلان، والتقوى إلى وجاهة، نشهد ظاهرة خطيرة: تضخم الطقوس وتراجع القيم، وارتفاع الشعارات مقابل غياب الرحمة والستر والتواضع.

وسط هذا المشهد، تبرز تجربة الأديب العالمي ليو تولستوي كمرآة أخلاقية صادمة تكشف التناقض بين جوهر الدين وممارسات كثير من المتدينين اليوم.

المفارقة أن الرجل لم يكن مسلمًا، لكنه جسّد في حياته ما تدعو إليه الأديان من زهد وصدق ورحمة وإنسانية.

كان تولستوي من سلالة النبلاء الروس، يملك الأراضي والثروة، لكنه اختار طواعية حياة الزهد والبساطة، متخليًا عن الامتيازات الاجتماعية. لم يحوّل العطاء إلى استعراض، ولم يجعل الخير وسيلة للظهور، بل عاش الفكرة قبل أن يكتبها، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان فيما يمنح لا فيما يملك.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة مع واقعنا.

لقد تحول العمل الخيري في كثير من الأحيان إلى مسرح علني: كاميرات، وتصفيق، ومنشورات، ووجوه فقراء تُعرض أمام الناس، وكأن كرامة الإنسان أصبحت ثمنًا للشهرة.

يقول الله تعالى:

“إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم”.

هذه الآية تضع مبدأ واضحًا: الكرامة قبل الإعلان، والإنسان قبل الصورة.

نتذكر جميعًا كيف كانت الزكاة تُوزّع قديمًا ليلًا في صمت، دون ضجيج أو استعراض، حفاظًا على مشاعر الأسر وأبنائها. كان العطاء رحمة، وكان التدين خلقًا، لا مظهرًا.

أما اليوم فقد أصبح بعض العطاء محتوى، وأصبح الستر تفصيلًا هامشيًا.

وفي شهر رمضان — شهر الرحمة والتكافل — تتحول بعض الممارسات إلى مظاهر احتفالية فارغة: موائد استعراضية، تبرعات مصوّرة، وخطاب يركز على الشكل ويغفل الجوهر.

قال النبي ﷺ:

“من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

فالعبادة بلا أخلاق لا قيمة لها، والتدين بلا رحمة مجرد طقس.

المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى وظيفة اجتماعية ومصدر مكانة، وكأن التدين أصبح وسيلة للظهور أو مهنة تمنح صاحبها سلطة أخلاقية على الآخرين.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس ضعف التدين، بل زيفه.

وليس قلة الشعائر، بل غياب القيم.

تجربة تولستوي تضعنا أمام سؤال لا مفر منه:

هل نعيش الدين… أم نعرضه؟

الدين ليس مظهرًا، بل ضمير.

ليس طقسًا، بل أخلاق.

ليس شعارًا، بل سلوك.

وحين يغيب الجوهر، تتحول العبادة إلى عادة، والتدين إلى قناع، وتفقد القيم معناها.، ، !!

اقرأ أيضاًعلي جمعة: العبادة تقوم على الطاعة والشفقة على الخلق

رمضان شهر الرحمة

مدرسة ربانية لضبط النفس.. تعرف على «مبطلات الصيام» في شهر رمضان الكريم

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts