في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، استيقظ العالم على حدث مفصلي ربما يعيد صياغة العقائد العسكرية ومفاهيم الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
لم يكن تنفيذ عملية اغتيال شديدة الدقة استهدفت المرشد الإيراني، آية الله علي خامنئي، في قلب العاصمة طهران عبر عملية أمريكية-إسرائيلية مشتركة، مجرد تصفية تقليدية لشخصية قيادية حكمت البلاد لعقود، بل شكلت هذه الضربة الإعلان العملي والأكثر دموية لحقبة «الحرب الخوارزمية» وهي القتل بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
تكمن الصدمة من المعلومات الواردة من المصادر المفتوحة والتي تكشفت عقب العملية، والتي أُطلق عليها أمريكيا اسم «عملية الغضب الملحمي» وإسرائيليا «زئير الأسد» في أن مركز الثقل لم يكن حجم القوة النارية، بل الدور المهيمن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحديدا نموذج «كلود» Claude المطور من شركة «أنثروبيك» الأمريكية والتي أسسها عام 2021 مجموعة من الباحثين المنشقين عن شركة أوبن أي المنتجة لـ «شات جي بي تي» والتي زادت إيراداتها في أوائل العام عن 14 مليار دولار.
لقد هندس هذا النموذج الضربة الأخيرة من بدايتها حتى التنفيذ، ليؤكد على أن التفوق العسكري بات يقاس بتقليص ما يُعرف بـ «سلسلة القتل» والقدرة على اتخاذ القرار إلى ثوانٍ معدودة تتجاوز الإدراك البشري، وهو ما يضع البشرية أمام مفترق طرق خطير تحكمه وتتحكم فيه الآلة.
عمل نموذج «كلود» في نسخته المخصصة للعمليات الحكومية وهو ما يعرف بـ Claude Gov ويمكن أن نطلق عليه «محرك تفكير مركزي» قادر على استيعاب المعلومات مفتوحة المصدر والوثائق أيا كانت لغتها بما في ذلك اللغة الفارسية المشفرة، ولم يقم النموذج بتشغيل الأسلحة مباشرة، بل كان صانع القرار الاستراتيجي الذي يغذي غرف العمليات بالاستنتاجات والتوصيات ويهيئ الظروف الكاملة للتنفيذ.
اعتمدت هذه البنية على دمج الحساسات أو المستشعرات (الحركة والضوء والإشارات الإلكترونية وغيرها) عبر نظام «مافن» الذكي التابع لوزارة الحرب الأمريكية، وهذا النظام هو العمود الفقري لإدارة عملية الاغتيال بما يملكه من داتا غير محدودة لمعلومات مرتبطة بإيران.
ومافن منصة مملوكة لشركة «بالانتير» Palantir السحابية. على الأرض، ومن المعلومات التي تكشفت قيام المخابرات الإسرائيلية (الموساد) ووكالة المخابرات المركزية CIA لمدة سنوات باختراق كاميرات المرور في طهران لتأسيس «نمط حياة» أو ما يعرف بـ Pattern of Life دقيق للهدف والمكلفين بحراسته باستخدام تقنيات التعرف على الوجوه.
ولضمان نجاح الهجوم على المرشد الإيراني ومرافقيه الذي تم فيه اسقاط 30 قنبلة وصاروخا موجها بدقة تامة تم خلالها وبشكل متزامن بتعطيل أبراج الهواتف المحمولة المحيطة بهجوم سيبراني متزامن لقطع خطوط الاتصال عن عناصر الحراسة.
وأهم نقاط الخطر المستقبلي هو «تقليص توقيت مساحة اتخاذ القرار» فبسبب نظام «مافن»، انخفض عدد الضباط المطلوبين للموافقة على 1000 هدف في العملية الإيرانية من 2000 ضابط (كما في حرب العراق 2003) إلى 20 ضابطاً فقط وهو ما منح متخذ القرار مدة زمنية قياسية تتراوح بين 20 إلى 45 ثانية فقط لتقييم الهدف والتصديق على قتله.
تخلق هذه السرعة الفائقة ما يُعرف بـ «التحيز الآلي» أو Automation Bias حيث يميل العنصر البشري في العملية إلى الثقة العمياء في قرارات الآلة، وبذلك يصبح البشر مجرد آليات للتصديق الشكلي، مما يقوض مبادئ التمييز المعروفة في القانون الدولي الإنساني ويجعل المساءلة عن مقتل المدنيين، نتيجة ما يسمى ب «الهلوسة» الخوارزمية، غير منطقي.
كشفت عملية اغتيال الخامنئي أيضا أن السيادة العسكرية للدول الكبرى باتت مرهونة بمرونة شركات وادي السيليكون التجارية وهو مصطلح يُطلق على المنطقة الجغرافية الواقعة في الجزء الجنوبي من منطقة خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وتعد العاصمة العالمية للابتكار التقني، فقد رفض داريو أمودي و هو الرئيس التنفيذي لـ «أنثروبيك»، المالك لإداة كلويد للذكاء الاصطناعي التي استخدمت في الاغتيال منح البنتاجون رفض السماح بالوصول غير المقيد لنموذجه للذكاء الاصطناعي، محذرا من تشغيل «الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل» Fully Autonomous Weapons بسبب أخطاء اختلاق البيانات ووقتها هاجم دونالد ترامب كعادته الشركة وصنفها كـ «خطر على سلسلة التوريد للأمن القومي الأمريكي ورغم ذلك، استمر البنتاجون في استخدام هذه التقنية تكتيكيا، بينما سارعت «أوبن إيه آي» المالكة لشات جي بي تي بتوقيع اتفاقية بديلة، مما يؤكد أن قرارات الحرب باتت تتأثر بشروط خدمة الشركات ذات الصلة.
اغتيال آية الله خامنئي ومرافقيه لا يمثل مجرد ضربة للنظام الإيراني، في صراع ممتد بين أمريكا وايران بل هو بمثابة اعلان بنهاية حقبة الحروب التقليدية التي يهيمن عليها الإنسان.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد اداه لاختلاق الصور والفيديوهات ولا لكتابة الرسائل والدراسات ولكنه تحول إلى سلاح خطير تصفه تقارير دولية بانه يعادل السلاح النووي، والمخيف والمرعب أنه ينمو في فراغ قانوني كامل دون معاهدات دولية منظمة له ولانتشاره..
إن مجرد تحديث في الكود البرمجي قد يزيد من احتمالية حدوث حرب خوارزمية خاطفة وتصعيد ولو على سبيل الخطأ قد يدفع ثمنه الاف من البشر.
ويقف العالم اليوم أمام تحدٍ وجودي يفرض ضرورة صياغة مواثيق دولية جديدة، خشية أن تتحول قرارات الحرب والسلم إلى معادلات حسابية تعمل بسرعة تعجز البشرية عن كبح جماحها كما حدث في جريمة الاغتيالات في 28 فبراير، وبالتأكيد الأجهزة ذات الصلة في مصر لن تترك هذا الفراغ دون تدخل بشكل أو بآخر.
اقرأ أيضاصافرات الإنذار تدوي في إسرائيل.. وإجلاء ركاب من طائرة في مطار بن جوريون
قائد البحرية الإيرانية: ترامب لا يستطيع إرسال الأسطول الأمريكي لفتح مضيق هرمز
الحرس الثوري الإيراني يعلن ضرب مطار بن جوريون بصواريخ خرمشهر واختراق منظومات الدفاع الجوي









