أي إيران.. ؟ 7 ساعات ago
مقالات

إسرائيل ليس شعب الله المختار – الأسبوع

منذ القدم، ظل موضوع «الشعب المختار» محور جدل ديني وفكري واسع، خصوصًا بعد التصريحات الأخيرة للقمص داود لمعي ونيافة الأنبا رافائيل، اللذين أكدا بوضوح أن مفهوم الشعب المختار في الكتاب المقدس ليس مرتبطًا بإسرائيل اليوم، بل بالإيمان الحقيقي بخطة الله التي تجسدت في المسيح. لفهم هذا الموقف، لا بد من العودة إلى نصوص العهد القديم والجديد، ورؤى آباء الكنيسة المصرية الذين أوضحوا طبيعة هذا الشعب ومصيره.

في العهد القديم، الله اختار إبراهيم وأبنائه لمهمة محددة: أن يكونوا أداة لنقل الوحي الإلهي للبشرية، وليس لمنحهم تفوقًا أبديًا أو امتيازًا سياسيًا. يظهر هذا جليًا في قوله بالعهد القديم (سفر التثنية 7:6-7): “أنت شعب مقدس للرب إلهك… لم تختارك لأنك أكثر من جميع الشعوب، بل لأن الرب أحبك”. هذا الاختيار كان هدفه روحاني وتعليمي، وليس إرثًا دائمًا لأي شعب أو دولة. كما أكد أن قسوة هذا الشعب وعصيانهم المتكرر للأنبياء جعلهم عرضة لغضب الله، كما جاء في إشعياء (65:2) “فتحت يدي إلى شعب معاند”، وفي ملاخي (1:2-4) يُظهر الله أن اختياره مرتبط بالوفاء له، وليس بالوراثة البيولوجية.

مع مجيء المسيح، جاء التحقق النهائي للخطة الإلهية. المسيح نفسه رفض المظاهر السطحية للامتياز اليهودي، ووصف قومه بأنهم “من أب إبليس” و”قبور مبيضة” (يوحنا 8:44 – متى 23:27)، أي أن الادعاء بالاختيار بلا إيمان وتصرف وفق أعمال إبراهيم ليس له قيمة. المسيح أعلن أن ملكوت الله سينتقل إلى أمة تعمل ثماره (متى 21:43)، مؤكدًا أن الشعب المختار الحقيقي هو الذي يسير في خطوات الإيمان، وليس الذي يدعي الانتماء الوراثي.

عند دراسة التاريخ، نجد أن أفعال شعب إسرائيل في العهد القديم كثيرًا ما نعتها النصوص المقدسة بالنقد الشديد لعصيانهم وقسوتهم، وتكرارهم للخطايا والمعاصي. الكتاب المقدس يصفهم بأنهم معاندون، عنيدون، وغير أوفياء للعهد، كما جاء في إشعياء (65:2) “فتحت يدي إلى شعب معاند”، وفي ملاخي (1:2-4) يظهر الله أن الوفاء له مرتبط بالنية والعمل، وليس بالوراثة البيولوجية. عصيانهم المستمر، وقتل الأنبياء، ورفضهم التعاليم الإلهية جعلهم أداة للتوبيخ والانتقاد من الله نفسه، وكانت النتائج واضحة: ضياع الأرض، الشتات، وعقاب الله المتكرر.

في المقابل، لو نظرنا إلى حضارة مصر القديمة وتعاليم ماعت، نجد منظومة أخلاقية متكاملة، كانت تدعو إلى العدل، الحق، الوفاء بالعهد، وحماية الضعفاء، وهي قيم كانت في جوهرها قريبة جدًا مما طلبه الله من شعبه: أن يكون حاملاً للإيمان، عادلًا، وأمينًا على الوصايا الإلهية. ماعت لم تكن مجرد فلسفة، بل نظام حياة اجتماعي وروحي، يشبه إلى حد بعيد المبادئ التي أرادها الله من إسرائيل الأصليين قبل تحريفهم وتكرار العصيان. هذا يوضح أن الفشل الروحي لإسرائيل التاريخية لم يكن بسبب العرق أو الأرض، بل بسبب عدم الالتزام بالقيم الإلهية الأساسية، بينما الحضارات التي اتبعت نظم أخلاقية حقيقية مثل ماعت في مصر، كانت أكثر استعدادًا لتطبيق مبادئ العدل والإيمان، وهو ما كان ينبغي أن يتحقق في الشعب المختار، لو التزموا بالعهد الإلهي حقًا.

ومن هنا تتضح أيضًا خطورة الصهيونية المسيحية الغربية، التي تحاول تأويل نصوص العهد القديم والجديد لتثبيت فكرة أن إسرائيل اليوم هي شعب الله المختار، وأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد.هذه التأويلات لا علاقة لها بالنصوص المقدسة أو بالإيمان الأرثوذكسي، بل هي إعادة تكييف للنصوص بما يخدم أجندة سياسية واضحة: إقامة كيان جيوسياسي ضخم تحت اسم “الشرق الأوسط الجديد” لصالح إسرائيل، واستغلال الرموز الدينية لتبرير السيطرة على الأرض والشعوب. تلك الصياغات المغلوطة تتجاهل تمامًا رفض المسيح لهم، وتغيّب حقيقة أن الرسالة الإلهية للكنيسة ليست مرتبطة بعرق أو جغرافيا، وأن الشعب المختار الحقيقي هو المؤمن بالله الذي يسلك في خطوات إبراهيم. الآباء الكنسيون، وعلى رأسهم البابا شنودة الثالث، حذروا بوضوح من هذه المحاولات، مؤكدين أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تقف بالمرصاد ضد أي محاولات لتسييس النصوص المقدسة لتحقيق أهداف خارجية، مهما كانت القوة المادية أو النفوذ السياسي للصهيونية المسيحية الغربية.

من منظور تاريخي، تكرار العصيان والقسوة تجاه الله في العهد القديم، ورفض المسيح في العهد الجديد، يوضح أن الامتيازات التي كان يمكن أن تمنح للشعب المختار قد انتقلت إلى المؤمنين الحقيقيين بالله وأي محاولة لاستعادة سلطة سياسية أو أرضية للشعب اليهودي اليوم تتناقض مع النصوص المقدسة والتاريخ الكنسي. ولا توجد آية تؤكد أن هذا الشعب سيعود بعد الشتات ليستعيد أرض فلسطين كوعد إلهي، بل كل النصوص تشير إلى أن المصير النهائي مرتبط بالإيمان، وليس بالوراثة أو الأرض. هذا الفهم المتكامل يظهر عبر، تعاليم المسيح، ورسائل الآباء، ويشكل قاعدة تاريخية وروحية تؤكد أن الشعب المختار الحقيقي ليس مرتبطًا بجغرافيا أو قومية معينة اليوم، بل بالإيمان بالمسيح واتباع خطوات إبراهيم، وهو ما يجعل الكنيسة دائمًا في موقع الرقابة الروحية والفكرية على أي محاولات لتسييس النصوص المقدسة لصالح أجندات خارجية.

اقرأ أيضاًعسكريون إسرائيليون: قدرات إيران العسكرية لا يمكن القضاء عليها حاليا

عاجل| جيش الاحتلال يعلن مقتل رئيس الاستخبارات البحرية بالحرس الثوري الإيراني

عاجل| مقتل نائب رئيس الاستخبارات البحرية بالحرس الثوري الإيراني

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts